شروح الحديث

تحفة الأحوذي

محمد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري

دار الكتب العلمية

سنة النشر: -
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: عشرة أجزاء

الكتب » سنن الترمذي » كتاب الصلاة » صفة الصلاة » باب ما جاء في كراهية أن يتخذ على القبر مسجدا

مسألة:
باب ما جاء في كراهية أن يتخذ على القبر مسجدا

320 حدثنا قتيبة حدثنا عبد الوارث بن سعيد عن محمد بن جحادة عن أبي صالح عن ابن عباس قال لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج قال وفي الباب عن أبي هريرة وعائشة قال أبو عيسى حديث ابن عباس حديث حسن وأبو صالح هذا هو مولى أم هانئ بنت أبي طالب واسمه باذان ويقال باذام أيضا
الحاشية رقم: 1
( باب ما جاء في كراهية أن يتخذ على القبر مسجدا )

قوله : ( أخبرنا عبد الوارث بن سعيد ) بن ذكوان العنبري مولاهم البصري ثقة ثبت ( عن [ ص: 226 ] محمد بن جحادة ) بضم الجيم وتخفيف المهملة ثقة . قوله : ( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور ) قال الترمذي في كتاب الجنائز قد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور ، فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء . وقال بعضهم : إنما كره زيارة القبور في النساء لقلة صبرهن وكثرة جزعهن ، انتهى . ونذكر هناك ما هو الراجح في هذه المسألة ( والمتخذين عليها المساجد ) قال ابن الملك : إنما حرم اتخاذ المساجد عليها ، لأن في الصلاة فيها استنانا بسنة اليهود ، انتهى . قال القاري في المرقاة : وقيد " عليها " يفيد أن اتخاذ المساجد بجنبها لا بأس به ، ويدل عليه قوله عليه السلام : لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ، انتهى .

قلت : إن كان اتخاذ المساجد بجنب القبور لتعظيمها أو لنية أخرى فاسدة فليس بجائز كما ستقف عليه ( والسرج ) جمع سراج ، قال في مجمع البحار : نهى عن الإسراج لأنه تضييع مال بلا نفع أو احترازا عن تعظيم القبور كاتخاذها مساجد .

تنبيه : قال في مجمع البحار : وحديث لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد كانوا يجعلونها قبلة يسجدون إليها في الصلاة كالوثن ، وأما من اتخذ مسجدا في جوار صالح أو صلى في مقبرة قاصدا به الاستظهار بروحه أو وصول أثر من آثار عبادته إليه لا التوجه نحوه والتعظيم له فلا حرج فيه ، ألا يرى أن مرقد إسماعيل في الحجر في المسجد الحرام والصلاة فيه أفضل ، انتهى . وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي في اللمعات في شرح هذا الحديث : لما أعلمه بقرب أجله فخشي أن يفعل بعض أمته بقبره الشريف ما فعلته اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم فنهى عن ذلك . قال التوربشتي : هو مخرج على الوجهين : أحدهما كانوا يسجدون لقبور الأنبياء تعظيما لهم وقصد العبادة في ذلك ، وثانيهما أنهم كانوا يتحرون الصلاة في مدافن الأنبياء والتوجه إلى قبورهم في حالة الصلاة والعبادة لله نظرا منهم أن ذلك الصنيع أعظم موقعا عند الله لاشتماله على الأمرين : العبادة والمبالغة في تعظيم الأنبياء ، وكلا الطريقين غير مرضية ، وأما الأول فشرك جلي ، وأما الثانية فلما فيها من معنى الإشراك بالله عز وجل ، وإن كان خفيا ، والدليل على ذم الوجهين قوله صلى الله عليه وسلم : اللهم لا تجعل قبري وثنا ، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد . والوجه الأول أظهر وأشبه ، كذا قال التوربشتي : وفي شرح الشيخ : فعلم منه أنه يحرم الصلاة إلى قبر نبي أو صالح تبركا وإعظاما ، قال وبذلك صرح النووي وقال التوربشتي وأما إذا وجد بقربها موضع بني [ ص: 227 ] للصلاة أو مكان يسلم فيه المصلي عن التوجه إلى القبور فإنه في منحة من الأمر ، وكذلك إذا صلى في موضع قد اشتهر بأن فيه مدفن نبي لم ير للقبر فيه علما ولم يكن تهده ما ذكرناه من العمل الملتبس بالشرك الخفي . وفي شرح الشيخ مثله حيث قال : وخرج بذلك اتخاذ مسجد بجوار نبي أو صالح والصلاة عند قبره لا لتعظيمه والتوجه نحوه بل لحصول مدد منه حتى يكمل عبادته ببركة مجاورته لتلك الروح الطاهرة فلا حرج في ذلك لما ورد أن قبر إسماعيل عليه السلام في الحجر تحت الميزاب ، وأن في الحطيم بين الحجر الأسود وزمزم قبر سبعين نبيا ، ولم ينه أحد عن الصلاة فيه ، انتهى . وكلام الشارحين مطابق في ذلك ، انتهى ما في اللمعات .

قلت : ذكر صاحب الدين الخالص عبارة اللمعات هذه كلها ، ثم قال ردا عليها ما لفظه : ما أبرد هذه التحرير والاستدلال عليه بذلك التقرير ; لأن كون قبر إسماعيل عليه السلام وغيره من الأنبياء سواء كانوا سبعين أو أقل أو أكثر ليس من فعل هذه الأمة المحمدية ولا هو وهم دفنوا لهذا الغرض هناك ، ولا نبه على ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا علامات لقبورهم منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا تحرى نبينا عليه الصلاة والسلام قبرا من تلك القبور على قصد المجاورة بهذه الأرواح المباركة ، ولا أمر به أحدا ولا تلبس بذلك أحد من سلف هذه الأمة وأئمتها ، بل الذي أرشدنا إليه وحثنا عليه أن لا نتخذ قبور الأنبياء مساجد كما اتخذت اليهود والنصارى ، وقد لعنهم على هذا الاتخاذ فالحديث برهان قاطع لمواد النزاع ، وحجة نيرة على كون هذه الأفعال جالبة للعن ، واللعن أمارة الكبيرة المحرمة أشد التحريم . فمن اتخذ مسجدا بجوار نبي أو صالح رجاء بركته في العبادة ومجاورة روح ذلك الميت فقد شمله الحديث شمولا واضحا كشمس النهار ، ومن توجه إليه واستمد منه فلا شك أنه أشرك بالله ، وخالف أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث ، وما ورد في معناه . ولم يشرع الزيارة في ملة الإسلام إلا للعبرة والزهد في الدنيا والدعاء بالمغفرة للموتى . وأما هذه الأغراض التي ذكرها بعض من يعزى إلى الفقه والرأي والقياس فإنها ليست عليها أثارة من علم ، ولم يقل بها فيما علمت أحد من السلف ، بل السلف أكثر الناس إنكارا على مثل هذه البدع الشركية ، انتهى .

قوله : ( وفي الباب عن أبي هريرة وعائشة ) أما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد . وفي رواية لمسلم : لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد . وأما حديث عائشة فأخرجه الشيخان أيضا بلفظ : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه الذي لم يقم منه : لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا [ ص: 228 ] قبور أنبيائهم مساجد وفي الباب أيضا عن جندب ، قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك . أخرجه مسلم .

قوله : ( حديث ابن عباس حديث حسن ) وأخرجه أبو داود والنسائي .

السابق

|

| من 1

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة