شروح الحديث

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبي العباس ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

دار ابن كثير

سنة النشر: 1417هـ / 1996م
رقم الطبعة: ط1
عدد الأجزاء: سبعة أجزاء

الكتب » المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم » كتاب الجمعة » باب فضل الغسل للجمعة وتأكيده

مسألة:
1403 [ 718 ] وعنه : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح ، فكأنما قرب بدنة ، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة ، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر .

رواه أحمد (2 \ 460)، والبخاري (881)، ومسلم (850)، وأبو داود (351)، والترمذي (499)، والنسائي (3 \ 97 - 99)، وابن ماجه (1092) .

الحاشية رقم: 1
[ ص: 484 ] وقوله - صلى الله عليه وسلم - : من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة : يعني في الصفة . والأغسال الشرعية كلها على صفة واحدة وإن اختلفت أسبابها . وهكذا رواية الجمهور ، ووقع عند ابن ماهان : " غسل الجمعة " مكان " غسل الجنابة " . وفي كتاب أبي داود من حديث أوس بن أوس مرفوعا - مشدد السين - : من غسل واغتسل ، وذكر نحو حديث مسلم . وقد روي مخفف السين ، وروايتنا التشديد . واختلف في معناه ، فقيل : معناه : جامع ; يقال : غسل وغسل ; أي : جامع . قالوا : ليكون أغض لبصره في سعيه إلى الجمعة . وقيل في التشديد : أوجب الغسل على غيره ، أو حمله عليه . وقيل : غسل للجنابة ، واغتسل للجمعة ، وقيل : غسل رأسه ، واغتسل في بقية جسده . وقيل : غسل : بالغ في النظافة والدلك ، واغتسل : صب الماء عليه . وأنسب ما في هذه الأقوال : قول من قال : حمل غيره على الغسل بالحث والترغيب والتذكير ، والله تعالى أعلم .

وقوله : ثم راح . والرواح في أصل اللغة : الرجوع بعشي ، ومنه قول امرئ القيس :

ورحنا كأنا من جواثى عشية نعالي النعاج بين عدل ومحقب



[ ص: 485 ] وأول العشي : زوال الشمس ، وهو أول وقت أمرنا الله فيه بالسعي إلى الجمعة ; لأنه تعالى قد قال : إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا [ الجمعة :9 ] وهذا النداء هو الذي يحصل به الإعلام بدخول الوقت ، وبعده يخرج الإمام فيجلس على المنبر ، ويؤذن الأذان الثاني ، وفائدته : الإعلام بحضور الخطبة ، وعند هذا الأذان تطوي الملائكة صحف المبكرين ، ويستمعون الذكر ، كما جاء في حديث أبي هريرة ، ولذلك قال العراقيون من أصحابنا : للجمعة أذانان : عند الزوال ، وعند جلوس الإمام على المنبر . وهذه الساعات المذكورة في هذا الحديث هي مراتب أوقات الرائحين إلى الجمعة ، من أول وقت الزوال إلى أن يجلس الإمام على المنبر ويؤذن الأذان الثاني ، وليست عبارة عن الساعات التعديلية التي النهار منها : اثنتي عشرة ساعة ، وهذا الذي ذكرناه هو مذهب مالك ، وخالفه في ذلك الشافعي . وأكثر العلماء وابن حبيب من أصحابنا قالوا : هذه الساعات المذكورات في هذا الحديث هي المعروفة عند المعدلين ، وعلى هذا الخلاف انبنى الخلاف في الأفضل : هل البكور إليها من أول ساعات النهار إلى الزوال ؟ أو الأفضل البكور في أول الزوال إلى أن يجلس الإمام على المنبر ؟ واحتج لمالك بثلاثة أوجه :

أحدها : التمسك بلفظ : الرواح ، كما تقدم . ولئن سلم أنه يقال على المشي مطلقا ; فعلى خلاف الأصل ، وهو مجاز . ولا يعارض هذا بما في حديث الآخر من قوله : المهجر إلى الجمعة ، فيقال : إنه من الهاجرة ، وذلك قبل [ ص: 486 ] الزوال ; لأنا لا نسلم أنها تختص بما قبل الزوال ، بل بشدة الحر . فهو صالح لما قبل الزوال وبعده . فبين لفظ الرواح: أن المراد به ما بعد الزوال . ولا يقال : إن حقيقة الساعة العرفية إنما هي المتعارفة عند المعدلين ; لأنا نمنع ذلك ، ونقول : بل الساعة في عرف اللغة : القطعة من الزمان غير محدود بمقدار ; كما قال تعالى : ما لبثوا غير ساعة [ الروم : 55 ] ، وتقول العرب : جئتك ساعة كذا . فتتعين بحسب ما تضاف إليه ، وليست محدودة . والأصل : التمسك بالأصل .

وثانيها : قوله - صلى الله عليه وسلم - : على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول ، فالأول كالجزور ، ثم نزلهم حتى صغر مثل البيضة . وهذا السياق تفسير الحديث الأول ، فإن الفاء للترتيب وعدم المهلة ، فاقتضى هذا سبقية الأول ، وتعقيب الثاني ، فالأول هو الذي راح في الساعة الأولى ، وهو الذي شبه بمهدي البدنة ، والثاني في الساعة الثانية ، وهو المهدي بقرة ، وبعده المهدي شاة ، وبعده دجاجة ، وبعده بيضة . فهذه الخمس المراتب هي من أول الساعة السابعة إلى أن يجلس الإمام على المنبر ; فهي ساعات الدخول للجمعة ، لا ساعات النهار . والله أعلم .

وثالثها : عمل أهل المدينة المتصل [ وقد جاء في سنن النسائي ما ينص على هذا المعنى ] بترك البكور للجمعة في أول النهار ، وسعيهم إليها قرب خطبتها وصلاتها ، وهو نقل معلوم عندهم غير منكر ، وما كان أهل عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - والتابعين من بعدهم ممن يترك الأفضل إلى غيره ، ويتمالؤون على العمل بأقل الدرجات .

[ ص: 487 ] ورابعها : إنا لو تنزلنا على أن الساعات في الحديث هي التعديلية ; للزم عليه انقضاء فضائل المبكرين للجمعة بانقضاء الخامسة ، ولا يبقى لأهل السادسة فضل ، فيلزم طي الصحف إذ ذاك ، وهو خلاف الحديث . وبيان ذلك : أن البدنة لأهل الساعة الأولى إلى أن تنقضي ، والبقرة لأهل الساعة الثانية إلى انقضائها ، والشاة لأهل الثالثة إلى انقضائها ، والدجاجة لأهل الرابعة ، والبيضة لأهل الخامسة ، وقد فرغت ساعات البكور ، ولم يبق لأهل السادسة ثواب في سعيهم ، وهذا مناقض للحديث الذي ذكرناه ولمعناه ; فإنه أخبر فيه : أن أجورهم لا تزال تكتب إلى أن يخرج الإمام ، وهو إنما يخرج في السابعة ، وحينئذ تطوي الملائكة الصحف ، وتستمع الذكر ، فلا تكتب للداخل إذ ذاك ثواب البكور ; إذ قد فرغت مراتب ثواب المبكرين . والله تعالى أعلم .

السابق

|

| من 8

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة