شروح الحديث

نخب الأفكار شرح معاني الآثار

جلال الدين السيوطي

مركز هجر

سنة النشر: 2003م – 1424هـ
رقم الطبعة: الطبعة الأولى
عدد الأجزاء: خمسة عشر جزءا

مسألة:
7169 7170 ص: وقد جاءت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آثار تنهى عن التمائم ، فمما روي في ذلك ما حدثنا يونس ، قال : ثنا سفيان ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن أم قيس بنت محصن ، قالت : " دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بابن لي وقد أعلقت عليه من العذرة ، ، فقال : علام تدغرين أولادك بهذا العلاق ؟ ؟ عليكن بهذا العود الهندي ; فإن فيه سبعة أشفية منها ذات الجنب ، ، يسعط من العذرة ، ويلد من ذات الجنب " . .

فقد يحتمل أن يكون ذلك العلاق كان مكروها في نفسه ; لأنه كتب فيه ما لا يحل كتابته ; فكرهه رسول الله -عليه السلام - لذلك لا لغيره .

الحاشية رقم: 1
ش: ذكر هذا تأييدا للجواب المذكور ; لأنه نظير قضية عمران بن حصين في كون كل منهما فعل قبل نزول البلاء لدفع القدر ، وهذا لا يجوز ، أما قضية عمران فقد

[ ص: 175 ] ذكرناها ، وأما قضية أم قيس بنت محصن فإن معناها أنها أعلقت على ابنها من العذرة قبل نزول البلاء لدفع القدر في نزول البلاء ، فافهم .

ورجال حديثها كلهم رجال الصحيح .

وسفيان هو ابن عيينة ، والزهري محمد بن مسلم ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، وأم قيس بنت محصن أخت عكاشة بن محصن ، لها صحبة ، أسلمت قديما وهاجرت إلى المدينة .

وأخرجه الجماعة ، فقال البخاري : ثنا صدقة بن الفضل ، أنا ابن عيينة قال : سمعت الزهري ، عن عبيد الله ، عن أم قيس بنت محصن قالت : سمعت النبي -عليه السلام - يقول : "عليكم بهذا العود الهندي ; فإن فيه سبعة أشفية : يسعط به من العذرة ، ويلد به من ذات الجنب . ودخلت على النبي -عليه السلام - بابن لي لم يأكل الطعام ، فبال عليه فدعا بماء ، فرش عليه " .

وقال أيضا : ثنا علي بن عبد الله ، ثنا سفيان ، عن الزهري ، أخبرني عبيد الله ، عن أم قيس قالت : "دخلت بابن لي على رسول الله -عليه السلام - وقد أعلقت عليه من العذرة ، فقال : على ما تدغرن أولادكن بهذا العلاق ، عليكن بهذا العود الهندي ; فإن فيه سبعة أشفية منها : ذات الجنب ، يسعط من العذرة ، ويلد من ذات الجنب " .

وقال مسلم : ثنا حرملة بن يحيى ، قال : أنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس بن يزيد ، أن ابن شهاب أخبره ، قال : أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود : "إن أم قيس ابنة محصن كانت من المهاجرات الأول اللاتي بايعن رسول الله -عليه السلام - ، أخت عكاشة بن محصن أحد بني أسد بن خزيمة ، قال : أخبرتني أنها أتت رسول الله -عليه السلام - بابن لها لم يبلغ أن يأكل طعاما ، وقد أعلقت عليه من العذرة -قال

[ ص: 176 ] يونس : أعلقت : غمرت فهي تخاف أن يكون به عذرة - قالت : فقال رسول الله -عليه السلام - : علامه تدغرن أولادكن بهذه الأعلاق ؟ ! عليكم بهذا العود الهندي -يعني به الكست - فإن فيه سبعة أشفية منها : ذات الجنب . . . . "
الحديث .

وقال أبو داود : ثنا مسدد وحامد بن يحيى ، قالا : ثنا سفيان ، عن الزهري ، عن عبيد الله ، عن أم قيس . . . . إلى آخره نحوه .

وقال ابن ماجه : ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن الصباح ، قالا : ثنا سفيان ، عن الزهري ، عن عبيد الله ، عن أم قيس . . . . إلى آخره نحوه .

والترمذي والنسائي لم يخرجا إلا قضية البول فقط .

قوله : "وقد أعلقت " من الإعلاق وهو معالجة عذرة الصبي وحقيقة ذلك : أعلقت عنه ، أي أزلت العلوق ، وهي الداهية .

قال الخطابي : المحدثون يقولون : أعلقت عليه وإنما هو أعلقت عنه أي دفعت عنه ، ومعنى أعلقت عليه : أوردت عليه العلوق أي ما عذبته به من دغرها .

ومنه قولهم : أعلقت علي : إذا أدخلت يدي في حلقي أتقيأ .

وقال الأصمعي : الإعلاق أن ترفع العذرة باليد .

و"العذرة " -بضم العين - وجع في الحلق يهيج من الدم ، وقيل : هي قرحة تخرج في الخرم الذي بين الأنف والحلق تعرض للصبيان عند طلوع العذرة ، فتعمد المرأة إلى خرقة فتفتلها فتلا شديدا ، وتدخلها في أنفه ، فتطعن ذلك الموضع فينفجر منه دم أسود ، وربما أقرحه وذلك الطعن يسمى الدغر ، يقال : عذرت المرأة الصبي : إذا غمزت حلقه من العذرة أو فعلت به ذلك ، وكانوا بعد ذلك يعلقون عليه علاقا كالعوذة ، وقوله : عند طلوع العذرة هي خمسة كواكب تحت الشعرى

[ ص: 177 ] العبور وتسمى العذاري وتطلع في وسط الحر . وفي المحكم : العذرة نجم إذا اطلع اشتد الحر ، والعذرة والعاذور داء في الحلق ، ورجل معذور : أصابه ذلك .

قوله : "من العذرة " أي من أجلها ، وكلمة "من " للتعليل .

قوله : "علام تدغرن أولادكن " أصله : "على ما " حذفت الألف من "ما " ، وكلمة "على " تعليل كما في قوله تعالى : لتكبروا الله على ما هداكم

قوله : "تدغرن " خطاب لجمع المؤنث ; أي على ما تغمزن حلق الصبي بأصابعكن ، والدغر هو غمز حلق الصبي بالأصبع وكبسه ، قال القرطبي : الرواية الصحيحة بالدال المهملة وغين معجمة ، ومعناه رفع اللهاة ، واللهاة هي اللحمة الحمراء التي في آخر الفم وأول الحلق ، وذكره أبو عبيد في باب الدال المهملة مع الغين المعجمة وقال : الدغر : غمز الحلق بالأصبع ; وذلك أن الصبي تأخذه العذرة وهي وجع يهيج في الحلق من الدم ، فتدخل المرأة أصبعها فتدفع بها ذلك الموضع وتكبسه .

قوله : "بهذا العلاق " المعروف الإعلاق ، وهو مصدر أعلقت ، وأما العلاق فهو اسم منه ، وأراد به ها هنا ما يعلق على الصغير من تميمة ، وهي الخرزة التي تعلق على الصغير لدفع عين أو مرض أو نحو ذلك ، أو رقعة مكتوب فيها أشياء من اللسان وغيرها ، فكره رسول الله -عليه السلام - لاحتمال أن يكون كتب فيها ما لا يحل كتابته .

قوله : "عليكن بهذا العود الهندي " وهو القسط البحري ، وقيل : العود الذي يتبخر به . القسط بضم القاف ، قال الجوهري : هو من عقاقير البحر ، وقال ابن السكيت : القاف بدل من الكاف ، وفي "المنتهى " لأبي المعالي : الكست والقسط والكسط ثلاث لغات وهو جزر البحر ، وقال ابن البيطار : أجوده ما كان من بلاد المغرب وكان أبيض خفيفا وهو البحري ، وبعده الذي من بلاد الهند وهو غليظ أسود خفيف مثل القثاء ، وبعده الذي من بلاد سوريا وهو ثقيل ولونه لون البقس

[ ص: 178 ] ورائحته ساطعة ، وأجودها ما كان حديثا أبيض ممتلئا غير متآكل ولا زهم يلدغ اللسان وقوته مسخنة مدرة للبول والطمث ، وينفع من أوجاع الأرحام إذا استعمل ، وشربه ينفع من لدغ الأفعى ويحرك شهوة الجماع ، ويخرج حب القرع ويعمل لطوخا بالزيت لمن به نافض قبل أخذ الحمى ولمن به فالج وينقي الكلف ويقلعه إذا لطخ بماء أو بعسل وينفع من العلة المعروفة بالنسا ، وهو جيد للزكام البارد إذا بخر به الأنف ، ودهنه ينفع العصب والرعشة ، وإذا سحق بالعسل أو الماء نفع من التشنج الذي في الوجه والسعفة ، وإذا سحق وذر على القروح الرطبة خففها وهو يفتح السدد الحادثة في الكبد شربا ، وينشف البلغم الذي في الرأس ، وينفع من ضعف الكبد والغدة وبردهما ، والأبيض فيه منفعة عظيمة من الأوجاع العتيقة التي تكون في الرأس ويطرد الرياح من الدماغ ، وإذا دهن به في قمع قتل الولد وأدر الحيض ، وبخوره نافع من النزلات ومن الوباء الحادث عن التعفن ، وإذا ضمدت به الأوجاع الباردة سكنها وكذلك دهنه ، وإن قطر من دهنه في الأذن سكن أوجاعها الباردة وفتح سددها ، وإذا خلط وعجن بالعسل وشرب نفع من أوجاع المعدة والمغص ومن أوجاع ذات الجنب ، وهو نافع لكل عضو يحتاج أن يسخن ، وينفع من أوجاع الصدر ، ومن النهوش كلها .

قوله : "فإن فيه سبع أشفية " الأشفية : جمع شفاء ، سمى منها رسول الله -عليه السلام - اثنين ووكل باقيها إلى طلب المعرفة أو إلى الشهرة فيها ، وقد عد الأطباء فيها منافع كثيرة وقد ذكرناها الآن .

فإن قلت : إذا كان فيه ما ذكرت من المنافع الكثيرة فما وجه تخصيصه -عليه السلام - منافعه بسبع ؟

قلت : هذه السبع هي التي علمها -عليه السلام - بالوحي وتحققها ، وغيرها من المنافع علمت بالتجربة ، فذكر -عليه السلام - ما علمه بالوحي دون غيره .

أو نقول : بين -عليه السلام - ما دعت الحاجة والضرورة إليه وسكت عن الباقي ; لأنه لم يبعث لبيان تفاصيل الطب ولا لتعليم صنعته ، وإنما تكلم ما تكلم به منه ليرشد إلى

[ ص: 179 ] الأخذ منه والعمل به ، وعين من الأدوية والعقاقير التي ينتفع بها ما دعت حاجتهم إليه في ذلك الوقت وبحسب أولئك الأشخاص .

قوله : "منها ذات الجنب " قال الترمذي : هو السل ، وفي "البارع " : هو الذي يطول مرضه ، وعن النضر : هو الدبيلة ، وهي قرحة تثقب البطن ، وقيل : هي الشوصة .

وفي "المنتهى " : الجناب -بالضم - داء في الجنب ، وأما الأطباء فإنهم يقولون : ذات الجنب : ورم حار يكون إما في الحجاب الحاجز أو في الغشاء المستبطن للصدر وهما خالصان ، وإما في الغشاء المجلل للأضلاع أو العضل الخارج ، وهما غير خالصين .

والخالص يلزمه أعراض خمسة : حمى لازمة ، ووجع ناخس ، وضيق نفس مع صفير وتواتر ونبض منشاري ، وسعال نافث .

وغير الخالص : ربما أدركه حس الطبيب وقد يكون بلا حمى ، وقد يقال لورم الحجاب : برساما ، ولورم العضل الخارج : شوصة .

قوله : "يسعط من العذرة " قال الأزهري : السعوط والنشوق والنسوغ في الأنف ، ولخيته ولخوته وألخيته : إذا سعطته ويقال : أسعطته ، وكذلك وحرته وأوحرته لغتان ، وأما النشوق فيقال : أنشقته إنشاقا وهو طيب السعوط والسعاط والإسعاط ، وفي "المحكم " : سعطه الدواء يسعطه ويسعطه ، والضم أعلى ، والصاد في كل ذلك لغة ، والسعوط اسم الدواء ، والسعيط : المسعط ، والسعيط : دهن الخردل ، والسعيط دهن البان والسعوط من السعط كالنشوق من النشق ، وفي "الصحاح " : اسعطته واستعط هو بنفسه ، وفي "الجامع " : السعوط والمسعط والسعيط : الرجل الذي يفعل به ذلك والسعطة : المرة الواحدة من الفعل ، والإسعاطة مثلها ، قال أبو الفرج : الإسعاط هو تحصيل الدهن أو غيره في أقصى الأنف سواء كان بجذب النفس أو بالتفريغ فيه .

[ ص: 180 ] قوله : "ويلد " من الإلداد ، وقد لد الرجل فهو ملدود وألددته أنا ، واللديدان : جانبا الوادي . قاله الأصمعي ، وفيه ; أحد اللدود ، وهو ما يصب من الأدوية في أحد شقي الفم ، وتجمع على ألدة ، وقال ابن الأثير : لديدا الفم : جانباه ، واللدود -بفتح اللام - من الأدوية : ما يسقاه المريض في أحد شقي الفم .

ويستنبط منه أحكام :

فيه : جواز التداوي بالأدوية ، وأنه لا ينافي التوكل ; ردا على بعض المتصوفة .

وفيه : كراهة دغر العذرة .

وفيه : بيان فضيلة العود الهندي وأنه ينفع من أدواء كثيرة كما ذكرنا .

وفيه : بيان معالجة العذرة بالإسعاط ، وذات الجنب بالإلداد .

وفيه : جواز التطبب ، والإخبار عن طبائع الأدوية ومنافعها ومضارها عند العلم .

وفيه : أنه -عليه السلام - كان عالما بعلم الطب أيضا وبمنافع الأدوية ; وإن كان مبعوثا بعلم الدين فإنه -عليه السلام - كان كاملا في كل شيء .

وفيه : أن كل منفعة أخبر بها النبي -عليه السلام - من الأدوية فهي كذلك من غير ريب ، بخلاف كلام سائر الأطباء ; فإن كلامهم على الظن والتجربة ، فخطأهم في ذلك أكثر من صوابهم .

وفيه : أن من أنكر ما قاله -عليه السلام - من منفعة دواء من الأدوية أو قال : بخلاف ذلك فقد كفر ; نعوذ بالله من ذلك .

السابق

|

| من 411

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة