فروع الفقه الحنفي

رد المحتار على الدر المختار

محمد أمين بن عمر (ابن عابدين)

دار الكتب العلمية-

سنة النشر: 1412هـ/1992م
رقم الطبعة: د.ط
عدد الأجزاء: ستة أجزاء

مسألة: الجزء الأول
[ ص: 175 ] ( ويكره له قراءة توراة وإنجيل وزبور ) لأن الكل كلام الله وما بدل منها غير معين . وجزم العيني في شرح المجمع بالحرمة وخصها في النهر بما لم يبدل ( لا ) قراءة ( قنوت ) ولا أكله وشربه بعد غسل يد وفم ، ولا معاودة [ ص: 176 ] أهله قبل اغتساله إلا إذا احتلم لم يأت أهله . قال الحلبي : ظاهر الأحاديث إنما يفيد الندب لا نفي الجواز المفاد من كلامه . ( والتفسير كمصحف لا الكتب الشرعية ) فإنه رخص مسها باليد لا التفسير كما في الدرر عن مجمع الفتاوى . وفي السراج : المستحب أن لا يأخذ الكتب الشرعية بالكم أيضا تعظيما ، لكن في الأشباه من قاعدة : إذا اجتمع الحلال والحرام رجح الحرام . [ ص: 177 ] وقد جوز أصحابنا مس كتب التفسير للمحدث ، ولم يفصلوا بين كون الأكثر تفسيرا أو قرآنا ، ولو قيل به اعتبارا للغالب لكان حسنا قلت : لكنه يخالف ما مر فتدبر .

الحاشية رقم: 1
( قوله : ويكره له إلخ ) الأولى لهم أي للجنب والحائض والنفساء . هذا ، وصحح في الخلاصة عدم الكراهة . قال في شرح المنية : لكن الصحيح الكراهة ; لأن ما بدل منه بعض غير معين وما لم يبدل غالب وهو واجب التعظيم والصون . وإذا اجتمع المحرم والمبيح غلب المحرم . وقال عليه الصلاة والسلام " { دع ما يريبك إلى ما لا يريبك } " وبهذا ظهر فساد قول من قال يجوز الاستنجاء بما في أيديهم من التوراة والإنجيل من الشافعية فإنه مجازفة عظيمة ; لأن الله تعالى لم يخبرنا بأنهم بدلوها عن آخرها وكونه منسوخا لا يخرجه عن كونه كلام الله تعالى كالآيات المنسوخة من القرآن . ا هـ . واختار سيدي عبد الغني ما في الخلاصة ، وأطال في تقريره ، ثم قال : وقد نهينا عن النظر في شيء منها سواء نقلها إلينا الكفار أو من أسلم منهم .

( قوله : بما لم يبدل ) أما ما علم أنه مبدل لو كتب وحده يجوز مسه كزعمهم أن من التوراة هذه شريعة مؤبدة ما دامت السموات والأرض . قال في شرح التحرير : وقد ذكر غير واحد أنه قيل أول من اختلقه لليهود ابن الراوندي ليعارض به دعوى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .

( قوله : لا قراءة قنوت ) هذا ظاهر المذهب . وعن محمد أنه يكره احتياطا ; لأن له شبهة القرآن لاختلاف الصحابة ; لأن أبيا جعله سورتين من القرآن من أوله إلى اللهم إياك نعبد سورة ، ومن هنا إلى آخره أخرى لكن الفتوى على ظاهر الرواية ; لأنه ليس بقرآن قطعا ويقينا بالإجماع فلا شبهة توجب الاحتياط المذكور ، نعم يستحب الوضوء لذكر الله تعالى وتمامه في الحلية .

( قوله : بعد غسل يد وفم ) أما قبله فلا ينبغي ; لأنه يصير شاربا للماء المستعمل وهو مكروه تنزيها ويده لا تخلو من النجاسة فينبغي غسلها ثم يأكل ، بدائع [ ص: 176 ] وفي الخزانة وإن ترك لا يضره . وفي الخانية لا بأس به . وفيها ، واختلف في الحائض ، قيل كالجنب ، وقيل لا يستحب لها ; لأن الغسل لا يزيل نجاسة الحيض عن الفم واليد ، وتمامه في الحلية .

( قوله : لم يأت أهله ) أي ما لم يغتسل لئلا يشاركه الشيطان كما أفاده ركن الإسلام . وفي البستان قال ابن المقنع ، يأتي الولد مجنونا أو بخيلا إسماعيل .

( قوله : قال الحلبي إلخ ) هو العلامة محمد بن أمير الحاج الحلبي شارح المنية والتحرير الأصولي .

( قوله : ظاهر الأحاديث إلخ ) يشعر بأنه وردت في الاحتلام أحاديث والحال أنا لم نقف فيه على حديث واحد . والذي ورد " { أنه صلى الله عليه وسلم دار على نسائه في غسل واحد } " وورد " { أنه طاف على نسائه واغتسل عند هذه وعند هذه } " فقلنا باستحبابه . وأما الاحتلام فلم يرد فيه شيء من القول والفعل ، على أنه من جهة الفعل محال ; لأن الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه معصومون عنه ، غاية ما يقال إنه لما دل الدليل على استحباب الغسل لمن أراد المعاودة علم استحبابه للجنب إذا أراد ذلك سواء كانت الجنابة من الجماع أو الاحتلام . ا هـ . نوح أفندي وهو كلام حسن ، إلا أن عبارة الحلبي ليس فيها استدلال بالأحاديث على الندب ، وإنما نفي الدليل على الوجوب والشارح تابع صاحب البحر في عزو هذه العبارة إليه ، ونص عبارة الحلبي في الحلية بعد نقله جملة أحاديث : فيستفاد من هذه الأحاديث أن المعاودة من غير وضوء ولا غسل بين الجماعين أمر جائز ، وأن الأفضل أن يتخللها الغسل أو الوضوء ثم قال بعد نقله الفرع المذكور عن المبتغى بالغين المعجمة ، وهو قوله إلا إذا احتلم لم يأت أهله ، هذا إن لم يحمل على الندب غريب ثم لا دليل فيما يظهر يدل على الحرمة . ا هـ .

( قوله : من كلامه ) أي كلام المبتغى وليس في عبارة الشارح ما يرجع إليه هذا الضمير .

( قوله : والتفسير كمصحف ) ظاهرة حرمة المس كما هو مقتضى التشبيه وفيه نظر ، إذ لا نص فيه بخلاف المصحف ، فالمناسب التعبير بالكراهة كما عبر غيره .

( قوله : لا الكتب الشرعية ) قال في الخلاصة : ويكره مس المحدث المصحف كما يكره للجنب ، وكذا كتب الأحاديث والفقه عندهما . والأصح أنه لا يكره عنده . ا هـ . قال في شرح المنية : وجه قوله إنه لا يسمى ماسا للقرآن ; لأن ما فيها منه بمنزلة التابع ا هـ ومشى في الفتح على الكراهة فقال : قالوا : يكره مس كتب التفسير والفقه والسنن ; لأنها لا تخلو عن آيات القرآن ، وهذا التعليل يمنع من شروح النحو . ا هـ .

( قوله : لكن في الأشباه إلخ ) استدراك على قوله والتفسير كمصحف ، فإن ما في الأشباه صريح في جواز مس التفسير ، فهو كسائر الكتب الشرعية ، بل ظاهره أنه قول أصحابنا جميعا ، وقد صرح بجوازه أيضا في شرح درر البحار . وفي السراج عن الإيضاح أن كتب التفسير لا يجوز مس موضع القرآن منها ، وله أن يمس غيره وكذا كتب الفقه إذا كان فيها شيء من القرآن ، بخلاف المصحف فإن الكل فيه تبع للقرآن . ا هـ . والحاصل أنه لا فرق بين التفسير وغيره من الكتب الشرعية على القول بالكراهة وعدمه ، ولهذا قال في النهر : ولا يخفى أن مقتضى ما في الخلاصة عدم الكراهة مطلقا ; لأن من أثبتها حتى في التفسير نظر إلى ما فيها من الآيات ، ومن نفاها نظر إلى أن الأكثر ليس كذلك ، وهذا يعم التفسير أيضا ، إلا أن يقال إن القرآن فيه أكثر من غيره ا هـ [ ص: 177 ] أي فيكره مسه دون غيره من الكتب الشرعية ، كما جرى عليه المصنف تبعا للدرر ، ومشى عليه في الحاوي القدسي وكذا في المعراج والتحفة فتلخص في المسألة ثلاثة أقوال - قال ط : وما في السراج أوفق بالقواعد . ا هـ . أقول : الأظهر والأحوط القول الثالث : أي كراهته في التفسير دون غيره لظهور الفرق ، فإن القرآن في التفسير أكثر منه فيغيره ، وذكره فيه مقصود استقلالا لا تبعا ، فشبهه بالمصحف أقرب من شبهه ببقية الكتب . والظاهر أن الخلاف في التفسير الذي كتب فيه القرآن بخلاف غيره كبعض نسخ الكشاف تأمل .

( قوله : ولو قيل به ) أي بهذا التفصيل ، بأن يقال إن كان التفسير أكثر لا يكره ، وإن كان القرآن أكثر يكره . والأولى إلحاق المساواة بالثاني ، وهذا التفصيل ربما يشير إليه ما ذكرناه عن النهر ، وبه يحصل التوفيق بين القولين .

( قوله : قلت لكنه إلخ ) استدراك على قوله ولو قيل به إلخ . وحاصله : أن ما مر في المتن مطلق ، فتقييد الكراهة بما إذا كان القرآن أكثر مخالف له ، ولا يخفى أن هذا الاستدراك غير الأول ; لأن الأول كان على كراهة مس التفسير وهذا على تقييد الكراهة فافهم .

( قوله : فتدبر ) لعله يشير به إلى أنه يمكن ادعاء تقييد إطلاق المتن بما إذا لم يكن التفسير أكثر ، فلا ينافي دعوى التفصيل .

السابق

|

| من 23

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة