تفسير القرآن

تفسير الألوسي

شهاب الدين السيد محمود الألوسي

دار إحياء التراث العربي

سنة النشر: -
رقم الطبعة: -
عدد الأجزاء: ثلاثون جزءا

الكتب » تفسير الألوسي » تفسير سورة التوبة » تفسير قوله تعالى ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين

مسألة: الجزء الحادي عشر
ما كان أي ما صح في حكم الله عز وجل وحكمته وما استقام للنبي والذين آمنوا بالله تعالى على الوجه المأمور به أن يستغفروا للمشركين به سبحانه ولو كانوا أي المشركون أولي قربى أي ذوي قرابة لهم وجواب (لو) محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة معطوفة على جملة أخرى قبلها محذوفة حذفا مطردا أي لو لم يكونوا أولي قربى ولو كانوا كذلك من بعد ما تبين لهم أي للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم والمؤمنين أنهم أي المشركين أصحاب الجحيم 113 بأن ماتوا على الكفر أو نزل الوحي بأنهم مطبوع على قلوبهم لا يؤمنون أصلا وفيه دليل على صحة الاستغفار لأحيائهم الذين لا قطع بالطبع على قلوبهم، والمراد منه في حقهم طلب توفيقهم للإيمان، وقيل: إنه يستلزم ذلك بطريق الاقتضاء فلا يقال: إنه لا فائدة في طلب المغفرة للكافر، والآية على الصحيح نزلت في أبي طالب فقد أخرج أحمد وابن أبي شيبة [ ص: 33 ] والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل وآخرون عن المسيب بن حزن قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أي عم قل: لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله فقال: أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فجعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يعرضها عليه وأبو جهل وعبد الله يعاودانه بتلك المقالة فقال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول: لا إله إلا الله فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: لأستغفرن لك ما لم أنه عنك فنزلت ما كان للنبي الآية

واستبعد ذلك الحسين بن الفضل بأن موت أبي طالب قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين وهذه السورة من أواخر ما نزل بالمدينة . قال الواحدي : وهذا الاستبعاد مستبعد فأي بأس أن يقال: كان عليه الصلاة والسلام يستغفر لأبي طالب من ذلك الوقت إلى وقت نزول الآية فإن التشديد مع الكفار إنما ظهر في هذه السورة وذكر نحوا من هذا صاحب التقريب، وعليه لا يراد بقوله: فنزلت في الخبر أن النزول كان عقيب القول بل يراد أن ذلك سبب النزول، فالفاء فيه للسببية لا للتعقيب . واعتمد على هذا التوجيه كثير من جلة العلماء وهو توجيه وجيه خلا أنه يعكر عليه ما أخرجه ابن سعد وابن عساكر عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: أخبرت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بموت أبي طالب فبكى فقال: اذهب فغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه . ففعلت وجعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يستغفر له أياما ولا يخرج من بيته حتى نزل عليه جبريل عليه الصلاة والسلام بهذه الآية ما كان للنبي إلخ فإنه ظاهر في أن النزول قبل الهجرة لأن عدم الخروج من البيت فيه مغيا به اللهم إلا أن يقال بضعف الحديث لكن لم نر من تعرض له والأولى في الجواب عن أصل الاستبعاد أن يقال: إن كون هذه السورة من أواخر ما نزل باعتبار الغالب كما تقدم فلا ينافي نزول شيء منها في المدينة والآية على هذا دليل على أن أبا طالب مات كافرا وهو المعروف من مذهب أهل السنة والجماعة

وروى ابن إسحق في سيرته عن العباس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من خبر طويل أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال لأبي طالب في مرض موته وقد طمع فيه: أي عم فأنت فقلها يعني: لا إله إلا الله أستحل بها لك الشفاعة يوم القيامة وحرض عليه عليه الصلاة والسلام بذلك فقال: والله يا ابن أخي لولا مخافة السبة عليك وعلى بني أبيك من بعدي وأن تظن قريش أني قلتها جزعا من الموت لقلتها ولا أقولها إلا لأسرك بها فلما تقارب من أبي طالب الموت نظر العباس إليه يحرك شفتيه فأصغى إليه بأذنه فقال: يا ابن أخي لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها فقال له صلى الله تعالى عليه وسلم: لم أسمع . واحتج بهذا ونحوه من أبياته المتضمنة للإقرار بحقية ما جاء به صلى الله تعالى عليه وسلم وشدة حنوه عليه ونصرته له صلى الله تعالى عليه وسلم الشيعة الذاهبون إلى موته مؤمنا وقالوا: إنه المروي عن أهل البيت وأهل البيت أدرى وأنت تعلم قوة دليل الجماعة فالاعتماد على ما روي عن ابن العباس دونه مما تضحك منه الثكلى والأبيات على انقطاع أسانيدها ليس فيها النطق بالشهادتين وهو مدار فلك الإيمان، وشدة الحنو والنصرة مما لا ينكره أحد إلا أنها بمعزل عما نحن فيه، وأخبار الشيعة عن أهل البيت أوهن من بيت العنكبوت، وإنه لأوهن البيوت . نعم لا ينبغي للمؤمن الخوض فيه كالخوض في سائر كفار قريش من أبي جهل وأضرابه [ ص: 34 ] فإن له مزية عليهم بما كان يصنعه مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من محاسن الأفعال، وقد روي نفع ذلك له في الآخرة أفلا ينفعه في الدنيا في الكف عنه وعدم معاملته معاملة غيره من الكفار، فعن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال وقد ذكر عنده عمه: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من نار . وجاء في رواية أنه قيل لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن عمك أبا طالب كان يحوطك وينصرك فهل ينفعه ذلك؟ فقال: نعم وجدته في غمرات النار فأخرجته إلى ضحضاح من نار وسبه عندي مذموم جدا لا سيما إذا كان فيه إيذاء لبعض العلويين إذ قد ورد: لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات و من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه

وزعم بعضهم أن الآية نزلت في غير ذلك فقد أخرج البيهقي في الدلائل وغيره عن ابن مسعود قال: خرج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يوما إلى المقابر فجاء حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلا ثم بكى فبكينا لبكائه ثم قام فصلى ركعتين فقام إليه عمر فدعاه ثم دعانا فقال: ما أبكاكم؟ قلنا: بكينا لبكائك قال: إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي وأنزل علي ما كان للنبي إلخ فأخذني ما يأخذ الولد للوالدة من الرقة فذاك الذي أبكاني ولا يخفى أن الصحيح في سبب النزول هو الأول . نعم خبر الاستئذان في الاستغفار لأمه عليه الصلاة والسلام وعدم الإذن جاء في رواية صحيحة لكن ليس فيها أن ذلك سبب النزول فقد أخرج مسلم وأحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي عن أبي هريرة قال: أتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال عليه الصلاة والسلام: استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي واستأذنت أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكركم بالموت . واستدل بعضهم بهذا الخبر ونحوه على أن أمه عليه الصلاة والسلام ممن لا يستغفر له وفي ذلك نزاع شهير بين العلماء ولعل النوبة تفضي إلى تحقيق الحق فيه إن شاء الله تعالى
السابق

|

| من 1

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة