الفقه المقارن

المجموع شرح المهذب

يحيى بن شرف النووي

مطبعة المنيرية

سنة النشر: -
رقم الطبعة: د.ط : د.ت
عدد الأجزاء: أحد عشر جزءا

مسألة: الجزء الثاني
قال المصنف رحمه الله تعالى ( ومن أجنب حرم عليه الصلاة والطواف ومس المصحف وحمله ، لأنا دللنا على أن ذلك يحرم على المحدث ، فلأن يحرم على الجنب أولى ، ويحرم عليه قراءة القرآن ، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " { لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن } " [ ويحرم عليه اللبث [ ص: 177 ] في المسجد ] ولا يحرم عليه العبور لقوله تعالى : { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ، ولا جنبا إلا عابري سبيل } وأراد موضع الصلاة . وقال في البويطي : ويكره له أن ينام حتى يتوضأ ، لما روي أن عمر رضي الله عنه قال : " { يا رسول الله أيرقد أحدنا وهو جنب ؟ قال : نعم إذا توضأ أحدكم فليرقد } " قال أبو علي الطبري : وإذا أراد أن يطأ أو يأكل أو يشرب توضأ ، ولا يستحب ذلك للحائض لأن الوضوء لا يؤثر في حدثها ويؤثر في حدث الجنابة ، لأنه يخففه ويزيله من أعضاء الوضوء ) .

الحاشية رقم: 1
( الشرح ) هذا الفصل مشتمل على جمل ويتعلق به فروع كثيرة منتشرة ، فالوجه أن نشرح كلام المصنف مختصرا ثم نعطف عليه مذاهب العلماء ثم الفروع والمتعلقات ، أما الآية الكريمة فسيأتي تفسيرها والمراد بها في فرع مذاهب العلماء إن شاء الله تعالى . وأما حديث ابن عمر : { لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن } " فرواه الترمذي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم وهو حديث ضعيف ضعفه البخاري والبيهقي وغيرهما ، والضعف فيه بين ، وسنذكر في فرع مذاهب العلماء غيره مما يغني عنه وأما حديث عمر رضي الله عنه فصحيح رواه البخاري ومسلم .

وقوله : فلأن يحرم على الجنب هو بفتح اللام ، وقد سبق إيضاحه في باب الآنية ثم في مواضع . وقوله : لا يقرأ الجنب ، بكسر الهمزة ، وروي بضمها على الخبر ، الذي يراد به النهي وهما صحيحان ، وممن ذكرها القاضي أبو الطيب في هذا الموضع من تعليقه ونظائرهما كثيرة مشهورة ، واللبث هو الإقامة . قال أهل اللغة : يقال لبث بالمكان وتلبث أي أقام قال الأزهري وصاحب المحكم وغيرهما : يقال لبث يلبث لبثا ولبثا بإسكان الباء وفتحها زاد في المحكم ولباثة ولبيثة ، يعني بفتح اللام فيهما . وأما الجنابة فأصلها في اللغة البعد وتطلق في الشرع على من أنزل المني ، وعلى من جامع وسمي جنبا ، لأنه يجتنب الصلاة والمسجد والقراءة ويتباعد عنها ، ويقال : أجنب الرجل ، يجنب وجنب بضم الجيم وكسر النون ، يجنب بضم الياء وفتح النون لغتان مشهورتان ، الأولى أفصح وأشهر ، يقال رجل [ ص: 178 ] جنب ورجلان ورجال وامرأة وامرأتان ونسوة جنب بلفظ واحد ، قال الله تعالى : { وإن كنتم جنبا فاطهروا } قال أهل اللغة : ويقال : جنبان وأجناب فيثنى ويجمع والأول أفصح وأشهر .

( وأما حكم المسألة ) فيحرم على الجنب ستة أشياء الصلاة والطواف ومس المصحف وحمله واللبث في المسجد وقراءة القرآن ، فأما الأربعة الأولى فتقدم شرحها وما يتعلق بها في باب ما ينقض الوضوء ، وأما قراءة القرآن فيحرم كثيرها وقليلها حتى بعض آية ، وكذا يحرم اللبث في جزء من المسجد ولو لحظة . وأما العبور فلا يحرم ، وقد ذكر المصنف دليل الجميع ، قال أصحابنا : ويكره للجنب أن ينام حتى يتوضأ ، ويستحب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو يطأ من وطئها أولا أو غيرها أن يتوضأ وضوءه للصلاة ويغسل فرجه في كل هذه الأحوال ولا يستحب هذا الوضوء للحائض والنفساء ، نص عليه الشافعي في البويطي واتفق عليه الأصحاب ، ودليله ما ذكره المصنف أن الوضوء لا يؤثر في حدثها لأنه مستمر ، فلا تصح الطهارة مع استمراره ، وهذا ما دامت حائضا ، فأما إذا انقطع حيضها فتصير كالجنب يستحب لها الوضوء في هذه المواضع ، لأنه يؤثر في حدثها كالجنب .

وهذا الذي قلناه وقاله المصنف والأصحاب إن الوضوء يؤثر في حدث الجنب ويزيله عن أعضاء الوضوء هو الصحيح الذي قطع به الجمهور وخالف فيه إمام الحرمين ، فقال : لا يرتفع شيء من الحدث حتى تكمل الطهارة . وقد سبق بيان هذه المسائل في المسائل الزوائد في آخر صفة الوضوء ودليل استحباب الوضوء وغسل الفرج في هذه الأحوال أحاديث صحيحة منها حديث عمر رضي الله عنه قال : { يا رسول الله أيرقد أحدنا وهو جنب ؟ فقال : نعم إذا توضأ } " رواه البخاري ومسلم . وفي الصحيحين عن ابن عمر قال : { ذكر عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تصيبه الجنابة من الليل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ [ ص: 179 ] واغسل ذكرك ثم نم } " وعن عائشة " { كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام ، وهو جنب غسل فرجه وتوضأ للصلاة } " رواه البخاري ومسلم هذا لفظ البخاري . وفي رواية مسلم : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام } " وفي رواية له " { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان جنبا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه } " .

وعن عمار بن ياسر أن النبي صلى الله عليه وسلم " { رخص للجنب إذا أكل أو شرب أو نام أن يتوضأ } " رواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن صحيح ، ومعناه إذا أراد أن يأكل . عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " { إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود ، فليتوضأ بينهما وضوءا } " رواه مسلم . زاد البيهقي في رواية " فإنه أنشط للعود " . وأما حديث ابن عباس في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم { قام من الليل فقضى حاجته ثم غسل وجهه ويديه ثم نام } " فالمراد بحاجته الحدث الأصغر . وأما حديث أبي إسحاق السبيعي - بفتح السين المهملة - عن الأسود عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم " { كان ينام وهو جنب ولا يمس ماء } " رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم ، فقال أبو داود عن يزيد بن هارون : وهم السبيعي في هذا . يعني قوله : ولا يمس ماء . وقال الترمذي : يرون أن هذا غلط من السبيعي .

وقال البيهقي : طعن الحفاظ في هذه اللفظة وتوهموها مأخوذة عن غير الأسود وأن السبيعي دلس ، قال البيهقي : وحديث السبيعي بهذه الزيادة صحيح من جهة الرواية لأنه بين سماعه من الأسود والمدلس إذا بين سماعه ممن روى عنه وكان ثقة فلا وجه لرده .

( قلت ) قالت طائفة من أهل الحديث والأصول : إن المدلس لا يحتج بروايته وإن بين السماع ، والصحيح الذي عليه الجمهور أنه إذا بين السماع احتج به ، فعلى الأول لا يكون الحديث صحيحا ، ولا يحتاج إلى جواب ، وعلى الثاني جوابه من وجهين .

( أحدهما ) ما رواه البيهقي عن ابن سريج [ ص: 180 ] رحمه الله واستحسنه البيهقي أن معناه : لا يمس ماء للغسل ، لنجمع بينه وبين حديث الآخر ، وحديث عمر الثابتين في الصحيحين .

( والثاني ) أن المراد أنه كان يترك الوضوء في بعض الأحوال ليبين الجواز إذ لو واظب عليه لاعتقدوا وجوبه ، وهذا عندي حسن أو أحسن ، وثبت في الصحيحين عن أنس { أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على نسائه بغسل واحد ، وهن تسع نسوة } . فيحتمل أنه كان يتوضأ بينها ، ويحتمل ترك الوضوء لبيان الجواز ، وفي رواية لأبي داود { أنه طاف على نسائه ذات ليلة يغتسل عند هذه وعند هذه فقيل يا رسول الله ألا تجعله غسلا واحدا فقال : هذا أزكى وأطيب وأطهر } " قال أبو داود : والحديث الأول أصح . ( قلت ) وإن صح هذا الثاني حمل على أنه كان في وقت وذاك في وقت ، والحديثان محمولان على أنه كان برضاهن إن قلنا بالأصح ، وقول الأكثرين أن القسم كان واجبا عليه صلى الله عليه وسلم في الدوام ، فإن القسم لا يجوز أقل من ليلة ليلة برضاهن والله أعلم .

( فرع ) روى أبو داود والنسائي بإسناد جيد عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة [ ص: 181 ] ولا جنب ولا كلب } " قال الخطابي المراد الملائكة الذين ينزلون بالرحمة والبركة لا الحفظة لأنهم لا يفارقون الجنب ولا غيره قال : وقيل لم يرد بالجنب من أصابته جنابة فأخر الاغتسال إلى حضور الصلاة ولكنه الجنب الذي يتهاون بالغسل ويتخذ تركه عادة لأن النبي صلى الله عليه وسلم " { كان ينام وهو جنب ويطوف على نسائه بغسل واحد } . " قال : وأما الكلب فهو أن يقتني كلبا لغير الصيد والزرع والماشية وحراسة الدار ، قال : وأما الصورة [ ص: 182 ] فهي كل مصور من ذوات الأرواح ، سواء كان على جدار أو سقف أو ثوب . هذا كلام الخطابي وفي تخصيصه الجنب بالمتهاون والكلب بالذي يحرم اقتناؤه نظر وهو محتمل .

( فرع ) هذا الذي ذكرناه من كراهة النوم قبل الوضوء للجنب هو مذهبنا وبه قال أكثر السلف أو كثير منهم ، حكاه ابن المنذر عن علي بن أبي طالب وابن عباس وأبي سعيد الخدري وشداد بن أوس وعائشة والحسن البصري وعطاء والنخعي ومالك وأحمد وإسحاق واختاره ابن المنذر قال : وقال سعيد بن المسيب وأصحاب الرأي : هو بالخيار ، دليلنا الأحاديث السابقة والله أعلم


الحـــواشي 1  2  3  4  5  6  7  8  9  10  11  12  13  14  15  16  17  18  19  20  21  22  23  24  25  26  27  28  29  30  31  32  33  34  35  36  37  38  39  40  41  42  43  44  45  46  47  48  49  50  51  52  53  54  55  56  57  58  59  60  61  62  63  64  
السابق

|

| من 1

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة