السيرة النبوية

زاد المعاد

الإمام شمس الدين أبي عبد الله ابن القيم الجوزية

مؤسسة الرسالة

سنة النشر: 1418هـ / 1998
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: خمسة أجزاء

مسألة:
فصل

وقد اختلف الناس في هذه الساعة : هل هي باقية أو قد رفعت ؟ على قولين ، حكاهما ابن عبد البر وغيره ، والذين قالوا : هي باقية ولم ترفع ، اختلفوا هل هي في وقت من اليوم بعينه أم هي غير معينة ؟ على قولين . ثم اختلف من قال بعدم تعيينها : هل هي تنتقل في ساعات اليوم ، أو لا ؟ على قولين أيضا ، والذين قالوا بتعيينها اختلفوا على أحد عشر قولا .

قال ابن المنذر : روينا عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : هي من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس .

الثاني : أنها عند الزوال ، ذكره ابن المنذر عن الحسن البصري وأبي العالية .

الثالث : أنها إذا أذن المؤذن بصلاة الجمعة ، قال ابن المنذر : روينا ذلك عن عائشة رضي الله عنها .

الرابع : أنها إذا جلس الإمام على المنبر يخطب حتى يفرغ ، قال ابن المنذر رويناه عن الحسن البصري . [ ص: 377 ] الخامس : قاله أبو بردة : هي الساعة التي اختار الله وقتها للصلاة .

السادس : قاله أبو السوار العدوي وقال : كانوا يرون أن الدعاء مستجاب ما بين زوال الشمس إلى أن تدخل الصلاة .

السابع : قاله أبو ذر : إنها ما بين أن ترتفع الشمس شبرا إلى ذراع .

الثامن : أنها ما بين العصر إلى غروب الشمس ، قاله أبو هريرة ، وعطاء وعبد الله بن سلام وطاوس ، حكى ذلك كله ابن المنذر .

التاسع : أنها آخر ساعة بعد العصر ، وهو قول أحمد وجمهور الصحابة والتابعين .

العاشر : أنها من حين خروج الإمام إلى فراغ الصلاة ، حكاه النووي وغيره .

الحادي عشر : أنها الساعة الثالثة من النهار ، حكاه صاحب " المغني " فيه . وقال كعب : لو قسم الإنسان جمعة في جمع ، أتى على تلك الساعة . وقال عمر : إن طلب حاجة في يوم ليسير .

وأرجح هذه الأقوال : قولان تضمنتهما الأحاديث الثابتة ، وأحدهما أرجح من الآخر .

الأول : أنها من جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة ، وحجة هذا القول ما روى مسلم في " صحيحه " من حديث أبي بردة بن أبي موسى ، أن عبد الله بن عمر قال له : أسمعت أباك يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن ساعة الجمعة شيئا ؟ قال : نعم سمعته يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة " .

[ ص: 378 ] وروى ابن ماجه والترمذي من حديث عمرو بن عوف المزني ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن في الجمعة ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئا إلا آتاه الله إياه " قالوا : يا رسول الله ! أية ساعة هي ؟ قال : " حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها " .

والقول الثاني : أنها بعد العصر ، وهذا أرجح القولين وهو قول عبد الله بن سلام ، وأبي هريرة والإمام أحمد وخلق . وحجة هذا القول ما رواه أحمد في " مسنده " من حديث أبي سعيد وأبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه وهي بعد [ ص: 379 ] العصر " .

وروى أبو داود والنسائي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يوم الجمعة اثنا عشر ساعة ، فيها ساعة لا يوجد مسلم يسأل الله فيها شيئا إلا أعطاه ، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر .

وروى سعيد بن منصور في " سننه " عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتمعوا فتذاكروا الساعة التي في يوم الجمعة ، فتفرقوا ولم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة .

وفي " سنن ابن ماجه " : عن عبد الله بن سلام قال : قلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس : إنا لنجد في كتاب الله ( يعني التوراة ) في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يصلي يسأل الله عز وجل شيئا إلا قضى الله له حاجته ، قال عبد الله فأشار إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بعض ساعة . قلت : صدقت يا رسول الله ، أو بعض ساعة . قلت : أي ساعة هي ؟ قال : " هي آخر ساعة من ساعات النهار " . قلت : إنها ليست ساعة صلاة ، قال : بلى إن العبد المؤمن إذا صلى ، ثم جلس لا يجلسه إلا الصلاة فهو في صلاة .

[ ص: 380 ] وفي " مسند أحمد " من حديث أبي هريرة ، قال : قيل للنبي صلى الله عليه وسلم لأي شيء سمي يوم الجمعة ؟ قال : لأن فيها طبعت طينة أبيك آدم ، وفيها الصعقة والبعثة وفيها البطشة ، وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعة من دعا الله فيها استجيب له " .

وفي " سنن أبي داود " والترمذي والنسائي من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة ؛ فيه خلق آدم وفيه أهبط وفيه تيب عليه وفيه مات وفيه تقوم الساعة ، وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة إلا الجن والإنس ، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله عز وجل حاجة إلا أعطاه إياها " قال كعب : ذلك في كل سنة يوم ؟ فقلت : بل في كل جمعة قال : فقرأ كعب التوراة فقال : صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال أبو هريرة : ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب فقال عبد الله بن سلام : وقد علمت أية ساعة هي . قال أبو هريرة : فقلت أخبرني بها ، فقال عبد الله بن سلام : هي آخر ساعة من يوم الجمعة ، فقلت : كيف هي آخر ساعة من يوم الجمعة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي " وتلك الساعة لا يصلى فيها ؟ فقال عبد الله بن سلام : ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم " من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي " ؟ قال : فقلت : بلى . فقال : هو ذاك .

قال الترمذي : حديث حسن صحيح . وفي " الصحيحين " بعضه .

[ ص: 381 ] وأما من قال : إنها من حين يفتتح الإمام الخطبة إلى فراغه من الصلاة ، فاحتج بما رواه مسلم في " صحيحه " عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري ، قال : قال عبد الله بن عمر : أسمعت أباك يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن ساعة الجمعة ؟ قال : قلت : نعم سمعته يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن يقضي الإمام الصلاة .

وأما من قال : هي ساعة الصلاة ، فاحتج بما رواه الترمذي وابن ماجه من حديث عمرو بن عوف المزني ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن في الجمعة لساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئا إلا آتاه الله إياه " . قالوا : يا رسول الله ! أية ساعة هي ؟ قال : " حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها " . ولكن هذا الحديث ضعيف ، قال أبو عمر بن عبد البر : هو حديث لم يروه فيما علمت إلا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه عن جده ، وليس هو ممن يحتج بحديثه .

وقد روى روح بن عبادة عن عوف عن معاوية بن قرة عن أبي بردة عن أبي موسى أنه قال لعبد الله بن عمر : هي الساعة التي يخرج فيها الإمام إلى أن تقضى الصلاة . فقال ابن عمر : أصاب الله بك .

وروى عبد الرحمن بن حجيرة ، عن أبي ذر أن امرأته سألته عن الساعة التي يستجاب فيها يوم الجمعة للعبد المؤمن ، فقال لها : هي مع رفع الشمس بيسير ، فإن سألتني بعدها فأنت طالق .

واحتج هؤلاء أيضا بقوله في حديث أبي هريرة " وهو قائم يصلي " وبعد العصر لا صلاة في ذلك الوقت ، والأخذ بظاهر الحديث أولى . قال أبو عمر : يحتج أيضا من ذهب إلى هذا بحديث علي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا زالت الشمس وفاءت الأفياء وراحت الأرواح ، فاطلبوا إلى الله حوائجكم فإنها [ ص: 382 ] ساعة الأوابين ، ثم تلا : فإنه كان للأوابين غفورا [الإسراء : 25] " .

وروى سعيد بن جبير ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : الساعة التي تذكر يوم الجمعة : ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس . وكان سعيد بن جبير إذا صلى العصر لم يكلم أحدا حتى تغرب الشمس ، وهذا هو قول أكثر السلف ، وعليه أكثر الأحاديث . ويليه القول بأنها ساعة الصلاة ، وبقية الأقوال لا دليل عليها .

وعندي أن ساعة الصلاة ساعة ترجى فيها الإجابة أيضا ، فكلاهما ساعة إجابة ، وإن كانت الساعة المخصوصة هي آخر ساعة بعد العصر ، فهي ساعة معينة من اليوم لا تتقدم ولا تتأخر ، وأما ساعة الصلاة فتابعة للصلاة ، تقدمت أو تأخرت ؛ لأن لاجتماع المسلمين وصلاتهم وتضرعهم وابتهالهم إلى الله تعالى تأثيرا في الإجابة ، فساعة اجتماعهم ساعة ترجى فيها الإجابة ، وعلى هذا تتفق الأحاديث كلها ، ويكون النبي صلى الله عليه وسلم قد حض أمته على الدعاء والابتهال إلى الله تعالى في هاتين الساعتين .

ونظير هذا قوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال : " هو مسجدكم هذا " وأشار إلى مسجد المدينة . وهذا لا ينفي أن يكون مسجد قباء الذي نزلت فيه الآية مؤسسا على التقوى ، بل كل منهما مؤسس على التقوى .

[ ص: 383 ] وكذلك قوله في ساعة الجمعة " هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تنقضي الصلاة " لا ينافي قوله في الحديث الآخر " فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر " .

ويشبه هذا في الأسماء قوله صلى الله عليه وسلم : " ما تعدون الرقوب فيكم ؟ قالوا : من لم يولد له قال " الرقوب من لم يقدم من ولده شيئا " .

فأخبر أن هذا هو الرقوب إذ لم يحصل له من ولده من الأجر ما حصل لمن قدم منهم فرطا ، وهذا لا ينافي أن يسمى من لم يولد له رقوبا .

ومثله قوله صلى الله عليه وسلم ما تعدون المفلس فيكم ؟ قالوا : من لا درهم له ولا متاع . قال " المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال ، ويأتي وقد لطم هذا ، وضرب هذا وسفك دم هذا ، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته " الحديث .

ومثله قوله صلى الله عليه وسلم : " ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ، ولكن المسكين الذي لا يسأل الناس ولا يتفطن له . فيتصدق عليه " .

[ ص: 384 ] وهذه الساعة هي آخر ساعة بعد العصر ، يعظمها جميع أهل الملل . وعند أهل الكتاب هي ساعة الإجابة وهذا مما لا غرض لهم في تبديله وتحريفه ، وقد اعترف به مؤمنهم .

وأما من قال بتنقلها ، فرام الجمع بذلك بين الأحاديث كما قيل ذلك في ليلة القدر ، وهذا ليس بقوي ، فإن ليلة القدر قد قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم : " فالتمسوها في خامسة تبقى في سابعة تبقى في تاسعة تبقى " . ولم يجئ مثل ذلك في ساعة الجمعة .

وأيضا فالأحاديث التي في ليلة القدر ليس فيها حديث صريح بأنها ليلة كذا وكذا ، بخلاف أحاديث ساعة الجمعة فظهر الفرق بينهما .

وأما قول من قال : إنها رفعت فهو نظير قول من قال : إن ليلة القدر رفعت ، وهذا القائل إن أراد أنها كانت معلومة ، فرفع علمها عن الأمة ، فيقال له : لم يرفع علمها عن كل الأمة وإن رفع عن بعضهم ، وإن أراد أن حقيقتها وكونها ساعة إجابة رفعت ، فقول باطل مخالف للأحاديث الصحيحة الصريحة ، فلا يعول عليه ، والله أعلم .

الحادية والعشرون : أن فيه صلاة الجمعة التي خصت من بين سائر الصلوات المفروضات بخصائص لا توجد في غيرها من الاجتماع والعدد المخصوص واشتراط الإقامة ، والاستيطان ، والجهر بالقراءة . وقد جاء من [ ص: 385 ] التشديد فيها ما لم يأت نظيره إلا في صلاة العصر ، ففي السنن الأربعة من حديث أبي الجعد الضمري - وكانت له صحبة - إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من ترك ثلاث جمع تهاونا طبع الله على قلبه ) قال الترمذي : حديث حسن ، وسألت محمد بن إسماعيل عن اسم أبي الجعد الضمري فقال : لم يعرف اسمه ، وقال : لا أعرف له عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا هذا الحديث .

وقد جاء في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر لمن تركها أن يتصدق بدينار ، فإن لم يجد فنصف دينار . رواه أبو داود والنسائي من رواية قدامة بن وبرة عن سمرة بن جندب . ولكن قال أحمد : قدامة بن وبرة لا يعرف . وقال يحيى بن معين : ثقة ، وحكي عن البخاري أنه لا يصح سماعه من سمرة .

وأجمع المسلمون على أن الجمعة فرض عين إلا قولا يحكى عن الشافعي أنها فرض كفاية ، وهذا غلط عليه منشؤه أنه قال : وأما صلاة العيد فتجب على كل من تجب عليه صلاة الجمعة ، فظن هذا القائل أن العيد لما كانت فرض كفاية كانت الجمعة كذلك . وهذا فاسد ، بل هذا نص من الشافعي أن العيد واجب على الجميع ، وهذا يحتمل أمرين أحدهما : أن [ ص: 386 ] يكون فرض عين كالجمعة ، وأن يكون فرض كفاية ، فإن فرض الكفاية يجب على الجميع ، كفرض الأعيان سواء ، وإنما يختلفان بسقوطه عن البعض بعد وجوبه بفعل الآخرين .

الثانية والعشرون : أن فيه الخطبة التي يقصد بها الثناء على الله وتمجيده ، والشهادة له بالوحدانية ولرسوله صلى الله عليه وسلم بالرسالة ، وتذكير العباد بأيامه ، وتحذيرهم من بأسه ونقمته ، ووصيتهم بما يقربهم إليه وإلى جنانه ، ونهيهم عما يقربهم من سخطه وناره ، فهذا هو مقصود الخطبة والاجتماع لها .

الثالثة والعشرون : أنه اليوم الذي يستحب أن يتفرغ فيه للعبادة ، وله على سائر الأيام مزية بأنواع من العبادات واجبة ومستحبة ، فالله سبحانه جعل لأهل كل ملة يوما يتفرغون فيه للعبادة ويتخلون فيه عن أشغال الدنيا ، فيوم الجمعة يوم عبادة ، وهو في الأيام كشهر رمضان في الشهور ، وساعة الإجابة فيه كليلة القدر في رمضان . ولهذا من صح له يوم جمعته وسلم سلمت له سائر جمعته ، ومن صح له رمضان وسلم سلمت له سائر سنته ، ومن صحت له حجته وسلمت له ، صح له سائر عمره ، فيوم الجمعة ميزان الأسبوع ، ورمضان ميزان العام ، والحج ميزان العمر . وبالله التوفيق .

الرابعة والعشرون : أنه لما كان في الأسبوع كالعيد في العام ، وكان العيد مشتملا على صلاة وقربان ، وكان يوم الجمعة يوم صلاة ، جعل الله سبحانه التعجيل فيه إلى المسجد بدلا من القربان ، وقائما مقامه فيجتمع للرائح فيه إلى المسجد الصلاة ، والقربان كما في " الصحيحين " عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ) .

[ ص: 387 ] وقد اختلف الفقهاء في هذه الساعة على قولين :

أحدهما : أنها من أول النهار وهذا هو المعروف في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما .

والثاني : أنها أجزاء من الساعة السادسة بعد الزوال ، وهذا هو المعروف في مذهب مالك ، واختاره بعض الشافعية واحتجوا عليه بحجتين . إحداهما : أن الرواح لا يكون إلا بعد الزوال ، وهو مقابل الغدو الذي لا يكون إلا قبل الزوال قال تعالى : ( ورواحها شهر ) [ سبأ : 12 ] . قال الجوهري : ولا يكون إلا بعد الزوال .

الحجة الثانية : أن السلف كانوا أحرص شيء على الخير ، ولم يكونوا يغدون إلى الجمعة من وقت طلوع الشمس ، وأنكر مالك التبكير إليها في أول النهار ، وقال لم ندرك عليه أهل المدينة .

واحتج أصحاب القول الأول بحديث جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : " ( يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة ) " . قالوا : والساعات المعهودة هي الساعات التي هي ثنتا عشرة ساعة ، وهي نوعان : ساعات تعديلية وساعات زمانية ، قالوا : ويدل على هذا القول أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما بلغ [ ص: 388 ] بالساعات إلى ست ، ولم يزد عليها ، ولو كانت الساعة أجزاء صغارا من الساعة التي تفعل فيها الجمعة لم تنحصر في ستة أجزاء ، بخلاف ما إذا كان المراد بها الساعات المعهودة ، فإن الساعة السادسة متى خرجت ودخلت السابعة خرج الإمام وطويت الصحف ولم يكتب لأحد قربان بعد ذلك كما جاء مصرحا به في " سنن أبي داود " من حديث علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا كان يوم الجمعة غدت الشياطين براياتها إلى الأسواق فيرمون الناس بالترابيث أو الربائث ، ويثبطونهم عن الجمعة ، وتغدو الملائكة فتجلس على أبواب المساجد فيكتبون الرجل من ساعة ، والرجل من ساعتين حتى يخرج الإمام ) .

قال أبو عمر بن عبد البر : اختلف أهل العلم في تلك الساعات ، فقالت طائفة منهم : أراد الساعات من طلوع الشمس وصفائها ، والأفضل عندهم التبكير في ذلك الوقت إلى الجمعة ، وهو قول الثوري وأبي حنيفة والشافعي ، وأكثر العلماء بل كلهم يستحب البكور إليها .

قال الشافعي رحمه الله : ولو بكر إليها بعد الفجر وقبل طلوع الشمس كان حسنا . وذكر الأثرم قال : قيل لأحمد بن حنبل : كان مالك بن أنس يقول : لا ينبغي التهجير يوم الجمعة باكرا ، فقال : هذا خلاف حديث النبي صلى الله عليه وسلم . وقال : سبحان الله إلى أي شيء ذهب في هذا ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : " كالمهدي جزورا " . قال : وأما مالك فذكر يحيى بن عمر عن حرملة أنه سأل ابن وهب عن تفسير هذه الساعات : أهو الغدو من أول ساعات النهار ، أو إنما أراد بهذا القول ساعات الرواح ؟ فقال ابن وهب : سألت مالكا عن [ ص: 389 ] هذا فقال : أما الذي يقع بقلبي فإنه إنما أراد ساعة واحدة تكون فيها هذه الساعات ، من راح من أول تلك الساعة أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة أو الخامسة أو السادسة . ولو لم يكن كذلك ، ما صليت الجمعة حتى يكون النهار تسع ساعات في وقت العصر أو قريبا من ذلك .

وكان ابن حبيب ينكر مالكا هذا ويميل إلى القول الأول ، وقال : قول مالك هذا تحريف في تأويل الحديث ومحال من وجوه . وقال : يدلك أنه لا يجوز ساعات في ساعة واحدة : أن الشمس إنما تزول في الساعة السادسة من النهار ، وهو وقت الأذان وخروج الإمام إلى الخطبة ، فدل ذلك على أن الساعات في هذا الحديث هي ساعات النهار المعروفات ، فبدأ بأول ساعات النهار فقال : ( من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ) ثم قال في الساعة الخامسة بيضة ، ثم انقطع التهجير وحان وقت الأذان ، فشرح الحديث بين في لفظه ولكنه حرف عن موضعه وشرح بالخلف من القول ، وما لا يكون ، وزهد شارحه الناس فيما رغبهم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من التهجير من أول النهار ، وزعم أن ذلك كله إنما يجتمع في ساعة واحدة قرب زوال الشمس ، قال وقد جاءت الآثار بالتهجير إلى الجمعة في أول النهار ، وقد سقنا ذلك في موضعه من كتاب واضح السنن بما فيه بيان وكفاية .

هذا كله قول عبد الملك بن حبيب ، ثم رد عليه أبو عمر وقال : هذا تحامل منه على مالك رحمه الله تعالى ، فهو الذي قال القول الذي أنكره وجعله خلفا وتحريفا من التأويل ، والذي قاله مالك تشهد له الآثار الصحاح من رواية الأئمة ، ويشهد له أيضا العمل بالمدينة عنده ، وهذا مما يصح فيه الاحتجاج بالعمل ؛ لأنه أمر يتردد كل جمعة لا يخفى على عامة العلماء .

فمن الآثار التي يحتج بها مالك : ما رواه الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا كان يوم الجمعة قام على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس الأول فالأول ، فالمهجر إلى الجمعة [ ص: 390 ] كالمهدي بدنة ، ثم الذي يليه كالمهدي بقرة ، ثم الذي يليه كالمهدي كبشا ، حتى ذكر الدجاجة والبيضة ، فإذا جلس الإمام طويت الصحف واستمعوا الخطبة ) قال : ألا ترى إلى ما في هذا الحديث فإنه قال : يكتبون الناس الأول فالأول ، فالمهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة ثم الذي يليه ، فجعل الأول مهجرا ، وهذه اللفظة إنما هي مأخوذة من الهاجرة والتهجير ، وذلك وقت النهوض إلى الجمعة وليس ذلك وقت طلوع الشمس ، لأن ذلك الوقت ليس بهاجرة ولا تهجير ، وفي الحديث : " ثم الذي يليه ثم الذي يليه " . ولم يذكر الساعة . قال والطرق بهذا اللفظ كثيرة مذكورة في " التمهيد " وفي بعضها ( " المتعجل إلى الجمعة كالمهدي بدنة ) " .

وفي أكثرها " المهجر كالمهدي جزورا " الحديث . وفي بعضها ما يدل على أنه جعل الرائح إلى الجمعة في أول الساعة كالمهدي بدنة وفي آخرها كذلك ، وفي أول الساعة الثانية كالمهدي بقرة وفي آخرها كذلك . وقال بعض أصحاب الشافعي : لم يرد صلى الله عليه وسلم بقوله : ( المهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة ) الناهض إليها في الهجير والهاجرة ، وإنما أراد التارك لأشغاله وأعماله من أغراض أهل الدنيا للنهوض إلى الجمعة كالمهدي بدنة ، وذلك مأخوذ من الهجرة وهو ترك الوطن ، والنهوض إلى غيره ومنه سمي المهاجرون .

وقال الشافعي رحمه الله : أحب التبكير إلى الجمعة ولا تؤتى إلا مشيا . هذا كله كلام أبي عمر .

قلت : ومدار إنكار التبكير أول النهار على ثلاثة أمور : أحدها : على لفظة الرواح ، وإنها لا تكون إلا بعد الزوال ، والثاني : لفظة التهجير وهي إنما تكون [ ص: 391 ] بالهاجرة وقت شدة الحر ، والثالث : عمل أهل المدينة فإنهم لم يكونوا يأتون من أول النهار .

فأما لفظة الرواح فلا ريب أنها تطلق على المضي بعد الزوال ، وهذا إنما يكون في الأكثر إذا قرنت بالغدو كقوله تعالى : ( غدوها شهر ورواحها شهر ) [ سبأ : 12 ] وقوله صلى الله عليه وسلم : ( من غدا إلى المسجد وراح ، أعد الله له نزلا في الجنة كلما غدا أو راح ) . وقول الشاعر .


نروح ونغدو لحاجاتنا وحاجة من عاش لا تنقضي

.

وقد يطلق الرواح بمعنى الذهاب والمضي ، وهذا إنما يجيء إذا كانت مجردة عن الاقتران بالغدو .

وقال الأزهري في " التهذيب " : سمعت بعض العرب يستعمل الرواح في السير في كل وقت ، يقال : راح القوم إذا ساروا ، وغدوا كذلك ، ويقول أحدهم لصاحبه : تروح ، ويخاطب أصحابه فيقول : روحوا أي سيروا ، ويقول الآخر : ألا تروحون ؟ ومن ذلك ما جاء في الأخبار الصحيحة الثابتة ، وهو بمعنى المضي إلى الجمعة والخفة إليها لا بمعنى الرواح بالعشي .

[ ص: 392 ] وأما لفظ التهجير والمهجر فمن الهجير والهاجرة ، قال الجوهري : هي نصف النهار عند اشتداد الحر ، تقول منه : هجر النهار ، قال امرؤ القيس :


فدعها وسل الهم عنها بجسرة     ذمول إذا صام النهار وهجرا



ويقال : أتينا أهلنا مهجرين أي في وقت الهاجرة . والتهجير ، والتهجر : السير في الهاجرة ، فهذا ما يقرر به قول أهل المدينة .

قال الآخرون : الكلام في لفظ التهجير كالكلام في لفظ الرواح ، فإنه يطلق ويراد به التبكير .

قال الأزهري في " التهذيب " : روى مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لو يعلم الناس ما في التهجير لاستبقوا إليه ) .

وفي حديث آخر مرفوع ( المهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة ) . قال : ويذهب كثير من الناس إلى أن التهجير في هذه الأحاديث تفعيل من الهاجرة وقت الزوال وهو غلط ، والصواب فيه ما روى أبو داود المصاحفي عن النضر بن شميل أنه قال : التهجير إلى الجمعة وغيرها : التبكير والمبادرة إلى كل شيء . قال : سمعت الخليل يقول ذلك ، قاله في تفسير هذا الحديث .

قال الأزهري : وهذا صحيح وهي لغة أهل الحجاز ومن جاورهم من قيس ، قال لبيد :

[ ص: 393 ]

راح القطين بهجر بعد ما ابتكروا     فما تواصله سلمى وما تذر

.

فقرن الهجر بالابتكار ، والرواح عندهم الذهاب والمضي ، يقال : راح القوم إذا خفوا ومروا أي وقت كان .

وقوله صلى الله عليه وسلم : ( لو يعلم الناس ما في التهجير لاستبقوا إليه ) أراد به التبكير إلى جميع الصلوات ، وهو المضي إليها في أول أوقاتها ، قال الأزهري : وسائر العرب يقولون : هجر الرجل : إذا خرج وقت الهاجرة ، وروى أبو عبيد عن أبي زيد : هجر الرجل إذا خرج بالهاجرة . قال : وهي نصف النهار .

ثم قال الأزهري : أنشدني المنذري فيما روى لثعلب عن ابن الأعرابي في " نوادره " قال : قال جعثنة بن جواس الربعي في ناقته :


هل تذكرين قسمي ونذري     أزمان أنت بعروض الجفر
.

إذ أنت مضرار جواد الحضر     علي إن لم تنهضي بوقري
.

بأربعين قدرت بقدر     بالخالدي لا بصاع حجر
.

وتصحبي أيانقا في سفر     يهجرون بهجير الفجر
ثمت تمشي ليلهم فتسري     يطوون أعراض الفجاج الغبر
.

طي أخي التجر برود التجر

.

قال الأزهري : يهجرون بهجير الفجر أي يبكرون بوقت السحر .

وأما كون أهل المدينة لم يكونوا يروحون إلى الجمعة أول النهار فهذا غاية عملهم في زمان مالك رحمه الله ، وهذا ليس بحجة ولا عند من يقول : إجماع [ ص: 394 ] أهل المدينة حجة ، فإن هذا ليس فيه إلا ترك الرواح إلى الجمعة من أول النهار ، وهذا جائز بالضرورة .

وقد يكون اشتغال الرجل بمصالحه ومصالح أهله ومعاشه وغير ذلك من أمور دينه ودنياه أفضل من رواحه إلى الجمعة من أول النهار ، ولا ريب أن انتظار الصلاة بعد الصلاة وجلوس الرجل في مصلاه حتى يصلي الصلاة الأخرى أفضل من ذهابه وعوده في وقت آخر للثانية ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( والذي ينتظر الصلاة ثم يصليها مع الإمام أفضل من الذي يصلي ثم يروح إلى أهله ) وأخبر " أن الملائكة لم تزل تصلي عليه ما دام في مصلاه " وأخبر " ( أن انتظار الصلاة بعد الصلاة مما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات وأنه الرباط ) " وأخبر " أن الله يباهي ملائكته بمن قضى فريضة وجلس ينتظر أخرى " وهذا يدل على أن من صلى الصبح ثم جلس ينتظر الجمعة فهو أفضل ممن يذهب ثم يجيء في وقتها ، وكون أهل المدينة وغيرهم لا يفعلون ذلك لا يدل على أنه مكروه ، فهكذا المجيء إليها والتبكير في أول النهار ، والله أعلم .

الخامسة والعشرون : أن للصدقة فيه مزية عليها في سائر الأيام ، والصدقة فيه بالنسبة إلى سائر أيام الأسبوع كالصدقة في شهر رمضان بالنسبة إلى سائر [ ص: 395 ] الشهور .

وشاهدت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه إذا خرج إلى الجمعة يأخذ ما وجد في البيت من خبز أو غيره فيتصدق به في طريقه سرا ، وسمعته يقول : إذا كان الله قد أمرنا بالصدقة بين يدي مناجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فالصدقة بين يدي مناجاته تعالى أفضل وأولى بالفضيلة .

وقال أحمد بن زهير بن حرب : حدثنا أبي حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس قال : اجتمع أبو هريرة وكعب فقال أبو هريرة : إن في الجمعة لساعة لا يوافقها رجل مسلم في صلاة يسأل الله عز وجل شيئا إلا آتاه إياه ، فقال كعب : أنا أحدثكم عن يوم الجمعة ، إنه إذا كان يوم الجمعة فزعت له السماوات والأرض والبر والبحر والجبال والشجر والخلائق كلها إلا ابن آدم والشياطين ، وحفت الملائكة بأبواب المسجد فيكتبون من جاء الأول فالأول حتى يخرج الإمام ، فإذا خرج الإمام طووا صحفهم فمن جاء بعد جاء لحق الله لما كتب عليه ، وحق على كل حالم أن يغتسل يومئذ كاغتساله من الجنابة ، والصدقة فيه أعظم من الصدقة في سائر الأيام ، ولم تطلع الشمس ولم تغرب على مثل يوم الجمعة ، فقال ابن عباس : هذا حديث كعب وأبي هريرة وأنا أرى إن كان لأهله طيب يمس منه .

السادسة والعشرون : أنه يوم يتجلى الله عز وجل فيه لأوليائه المؤمنين في الجنة ، وزيارتهم له ، فيكون أقربهم منهم أقربهم من الإمام ، وأسبقهم إلى الزيارة أسبقهم إلى الجمعة . وروى يحيى بن يمان عن شريك عن أبي اليقظان ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه في قوله عز وجل ( ولدينا مزيد ) [ ق : 35 ] قال : ( يتجلى لهم في كل جمعة ) .

وذكر الطبراني في " معجمه " من حديث أبي نعيم المسعودي عن المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة قال : قال عبد الله : ( سارعوا إلى الجمعة فإن الله عز وجل يبرز لأهل الجنة في كل جمعة في كثيب من كافور فيكونون منه في [ ص: 396 ] القرب على قدر تسارعهم إلى الجمعة ، فيحدث الله سبحانه لهم من الكرامة شيئا لم يكونوا قد رأوه قبل ذلك ، ثم يرجعون إلى أهليهم ، فيحدثونهم بما أحدث الله لهم . قال : ثم دخل عبد الله المسجد فإذا هو برجلين ، فقال عبد الله : رجلان وأنا الثالث ، إن يشأ الله يبارك في الثالث ) وذكر البيهقي في " الشعب " عن علقمة بن قيس قال : رحت مع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إلى جمعة فوجد ثلاثة قد سبقوه ، فقال رابع أربعة وما رابع أربعة ببعيد . ثم قال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ( إن الناس يجلسون يوم القيامة من الله على قدر رواحهم إلى الجمعة ، الأول ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع . ثم قال وما أربع أربعة ببعيد ) .

قال الدارقطني في كتاب " الرؤية " : حدثنا أحمد بن سلمان بن الحسن ، حدثنا محمد بن عثمان بن محمد ، حدثنا مروان بن جعفر حدثنا نافع أبو الحسن مولى بني هاشم ، حدثنا عطاء بن أبي ميمونة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا كان يوم القيامة رأى المؤمنون ربهم فأحدثهم عهدا بالنظر إليه من بكر في كل جمعة ، وتراه المؤمنات يوم الفطر ويوم النحر ) .

حدثنا محمد بن نوح حدثنا محمد بن موسى بن سفيان السكري ، حدثنا عبد الله بن الجهم الرازي ، حدثنا عمرو بن أبي قيس عن أبي طيبة عن عاصم عن عثمان بن عمير أبي اليقظان ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أتاني جبريل وفي يده كالمرآة البيضاء فيها كالنكتة السوداء ، فقلت : ما هذا يا جبريل ؟ قال : هذه الجمعة يعرضها الله عليك لتكون [ ص: 397 ] لك عيدا ولقومك من بعدك ، قلت وما لنا فيها ؟ قال : لكم فيها خير ، أنت فيها الأول ، واليهود والنصارى من بعدك ، ولك فيها ساعة لا يسأل الله عز وجل عبد فيها شيئا هو له قسم إلا أعطاه ، أو ليس له قسم إلا أعطاه أفضل منه ، وأعاذه الله من شر ما هو مكتوب عليه ، وإلا دفع عنه ما هو أعظم من ذلك . قال : قلت : وما هذه النكتة السوداء ؟ قال : هي الساعة تقوم يوم الجمعة ، وهو عندنا سيد الأيام ، ويدعوه أهل الآخرة يوم المزيد . قال : قلت يا جبريل ! وما يوم المزيد ؟ قال : ذلك أن ربك عز وجل اتخذ في الجنة واديا أفيح من مسك أبيض ، فإذا كان يوم الجمعة نزل على كرسيه ثم حف الكرسي بمنابر من نور ، فيجيء النبيون حتى يجلسوا عليها ، ثم حف المنابر بمنابر من ذهب ، فيجيء الصديقون والشهداء حتى يجلسوا عليها ، ويجيء أهل الغرف حتى يجلسوا على الكثب ، قال ثم يتجلى لهم ربهم عز وجل ، قال فينظرون إليه فيقول : أنا الذي صدقتكم وعدي وأتممت عليكم نعمتي ، وهذا محل كرامتي فسلوني ، فيسألونه الرضى . قال : رضاي أنزلكم داري وأنا لكم كرامتي ، فسلوني فيسألونه الرضى . قال : فيشهد لهم بالرضى ، ثم يسألونه حتى تنتهي رغبتهم ، ثم يفتح لهم عند ذلك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . قال : ثم يرتفع رب العزة ويرتفع معه النبيون والشهداء ، ويجيء أهل الغرف إلى غرفهم . قال : كل غرفة من لؤلؤة لا وصل فيها ولا فصم ، ياقوتة حمراء وغرفة من زبرجدة خضراء ، أبوابها وعلاليها وسقائفها وأغلاقها منها أنهارها مطردة متدلية فيها أثمارها فيها أزواجها وخدمها . قال : فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى يوم الجمعة ليزدادوا من كرامة الله عز وجل والنظر إلى وجهه الكريم ، فذلك يوم المزيد ) .

ولهذا الحديث عدة طرق ، ذكرها أبو الحسن الدارقطني في كتاب " الرؤية " .

[ ص: 398 ] السابعة والعشرون : أنه قد فسر الشاهد الذي أقسم الله به في كتابه بيوم الجمعة ، قال حميد بن زنجويه : حدثنا عبد الله بن موسى أنبأنا موسى بن عبيدة عن أيوب بن خالد عن عبد الله بن رافع عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اليوم الموعود يوم القيامة ، واليوم المشهود هو يوم عرفة ، والشاهد يوم الجمعة ، ما طلعت شمس ولا غربت على أفضل من يوم الجمعة ، فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله فيها بخير إلا استجاب له ، أو يستعيذه من شر إلا أعاذه منه ) .

ورواه الحارث بن أبي أسامة في " مسنده " عن روح عن موسى بن عبيدة .

وفي " معجم الطبراني " من حديث محمد بن إسماعيل بن عياش ، حدثني أبي حدثني ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اليوم الموعود يوم القيامة ، والشاهد يوم الجمعة ، والمشهود يوم عرفة ، ويوم الجمعة ذخره الله لنا ، وصلاة الوسطى صلاة العصر ) وقد روي من حديث جبير بن مطعم .

[ ص: 399 ] قلت : والظاهر - والله أعلم - : أنه من تفسير أبي هريرة ، فقد قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة سمعت علي بن زيد ويونس بن عبيد يحدثان عن عمار مولى بني هاشم ، عن أبي هريرة أما علي بن زيد فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما يونس فلم يعد أبا هريرة أنه ( قال : في هذه الآية ( وشاهد ومشهود ) قال : الشاهد يوم الجمعة ، والمشهود يوم عرفة ، والموعود يوم القيامة ) .

الثامنة والعشرون : أنه اليوم الذي تفزع منه السماوات والأرض ، والجبال والبحار ، والخلائق كلها إلا الإنس والجن ، فروى أبو الجواب عن عمار بن زريق عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس قال : اجتمع كعب وأبو هريرة فقال أبو هريرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن في الجمعة لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خير الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه ) .

فقال كعب : ألا أحدثكم عن يوم الجمعة ، إنه إذا كان يوم الجمعة فزعت له السماوات والأرض ، والجبال والبحار ، والخلائق كلها إلا ابن آدم والشياطين ، وحفت الملائكة بأبواب المساجد ، فيكتبون الأول فالأول حتى يخرج الإمام ، فإذا خرج الإمام طووا صحفهم ، ومن جاء بعد جاء لحق الله ، ولما كتب عليه ، ويحق على كل حالم أن يغتسل فيه ، كاغتساله من الجنابة ، والصدقة فيه أفضل من الصدقة في سائر الأيام ، ولم تطلع الشمس ولم تغرب على يوم كيوم الجمعة .

قال ابن عباس : هذا حديث كعب وأبي هريرة وأنا أرى من كان لأهله طيب أن يمس منه يومئذ .

وفي حديث أبي هريرة : عن النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تطلع الشمس ولا تغرب على يوم أفضل من يوم الجمعة ، وما من دابة إلا وهي تفزع ليوم الجمعة إلا هذين الثقلين من الجن والإنس ) وهذا حديث صحيح .

وذلك أنه اليوم الذي تقوم فيه الساعة ، ويطوى العالم ، وتخرب فيه الدنيا ، ويبعث فيه الناس إلى منازلهم من [ ص: 400 ] الجنة والنار .

التاسعة والعشرون : أنه اليوم الذي ادخره الله لهذه الأمة وأضل عنه أهل الكتاب قبلهم ، كما في " الصحيح " من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما طلعت الشمس ولا غربت على يوم خير من يوم الجمعة ، هدانا الله له ، وضل الناس عنه ، فالناس لنا فيه تبع ، هو لنا ، ولليهود يوم السبت وللنصارى يوم الأحد ) . وفي حديث آخر " ذخره الله لنا " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا علي بن عاصم ، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن عمر بن قيس ، عن محمد بن الأشعث عن عائشة قالت : ( بينا أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ استأذن رجل من اليهود ، فأذن له فقال : السام عليك ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : وعليك . قالت : فهممت أن أتكلم ، قالت ثم دخل الثانية ، فقال مثل ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم : وعليك ، قالت فهممت أن أتكلم ، ثم دخل الثالثة فقال : السام عليكم ، قالت : فقلت : بل السام عليكم وغضب الله إخوان القردة والخنازير ، أتحيون رسول الله بما لم يحيه به الله عز وجل . قالت فنظر إلي فقال : مه إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش ، قالوا قولا فرددناه عليهم فلم يضرنا شيئا ولزمهم إلى يوم القيامة ، إنهم لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها ، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها ، وعلى قولنا خلف الإمام آمين ) .

وفي " الصحيحين " من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ( نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم ، فهذا يومهم الذي فرض الله عليهم ، فاختلفوا فيه ، فهدانا الله له ، فالناس لنا فيه تبع ، اليهود غدا والنصارى بعد غد ) .

وفي " بيد " لغتان بالباء وهي المشهورة وميد بالميم حكاها أبو عبيد . [ ص: 401 ] وفي هذه الكلمة قولان : أحدهما : أنها بمعنى " غير " وهو أشهر معنييها ، والثاني : بمعنى " على " وأنشد أبو عبيد شاهدا له :


عمدا فعلت ذاك بيد أني     إخال لو هلكت لم ترني

.

ترني : تفعلي من الرنين .

الثلاثون : أنه خيرة الله من أيام الأسبوع ، كما أن شهر رمضان خيرته من شهور العام ، وليلة القدر خيرته من الليالي ، ومكة خيرته من الأرض ، ومحمد صلى الله عليه وسلم خيرته من خلقه .

قال آدم بن أبي إياس : حدثنا شيبان أبو معاوية ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن أبي صالح ، عن كعب الأحبار . قال : ( إن الله عز وجل اختار الشهور ، واختار شهر رمضان ، واختار الأيام ، واختار يوم الجمعة ، واختار الليالي ، واختار ليلة القدر ، واختار الساعات ، واختار ساعة الصلاة ، والجمعة تكفر ما بينها وبين الجمعة الأخرى ، وتزيد ثلاثا ، ورمضان يكفر ما بينه وبين رمضان ، والحج يكفر ما بينه وبين الحج ، والعمرة تكفر ما بينها وبين العمرة ، ويموت الرجل بين حسنتين : حسنة قضاها ، وحسنة ينتظرها يعني صلاتين ، وتصفد الشياطين في رمضان ، وتغلق أبواب النار ، وتفتح فيه أبواب الجنة ، ويقال فيه : يا باغي الخير هلم . رمضان أجمع ، وما من ليال أحب إلى الله العمل فيهن من ليالي العشر ) .

الحادية والثلاثون : إن الموتى تدنو أرواحهم من قبورهم ، وتوافيها في يوم الجمعة ، فيعرفون زوارهم ومن يمر بهم ، ويسلم عليهم ، ويلقاهم في ذلك اليوم أكثر من معرفتهم بهم في غيره من الأيام ، فهو يوم تلتقي فيه الأحياء والأموات ، فإذا قامت فيه الساعة التقى الأولون والآخرون ، وأهل الأرض وأهل السماء ، والرب والعبد ، والعامل وعمله ، والمظلوم وظالمه ، والشمس والقمر ، ولم تلتقيا قبل ذلك قط ، وهو يوم الجمع واللقاء ، ولهذا [ ص: 402 ] يلتقي الناس فيه في الدنيا أكثر من التقائهم في غيره ، فهو يوم التلاق . قال أبو التياح يزيد بن حميد : كان مطرف بن عبد الله يبادر فيدخل كل جمعة ، فأدلج حتى إذا كان عند المقابر يوم الجمعة ، قال : فرأيت صاحب كل قبر جالسا على قبره ، فقالوا : هذا مطرف يأتي الجمعة ، قال : فقلت لهم ، وتعلمون عندكم الجمعة ؟ قالوا : نعم ، ونعلم ما تقول فيه الطير ، قلت : وما تقول فيه الطير ؟ قالوا : تقول رب سلم سلم يوم صالح .

وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب " المنامات " وغيره ، عن بعض أهل عاصم الجحدري ، قال : رأيت عاصما الجحدري في منامي بعد موته لسنتين ، فقلت : أليس قد مت ؟ قال : بلى ، قلت : فأين أنت ؟ قال : أنا والله في روضة من رياض الجنة ، أنا ونفر من أصحابي ، نجتمع كل ليلة جمعة وصبيحتها إلى بكر بن عبد الله المزني فنتلقى أخباركم . قلت : أجسامكم أم أرواحكم ؟ قال : هيهات بليت الأجسام وإنما تتلاقى الأرواح ، قال : قلت : فهل تعلمون بزيارتنا لكم ؟ قال : نعلم بها عشية الجمعة ، ويوم الجمعة كله ، وليلة السبت إلى طلوع الشمس . قال : قلت : فكيف ذلك دون الأيام كلها ؟ قال : لفضل يوم الجمعة وعظمته .

وذكر ابن أبي الدنيا أيضا عن محمد بن واسع ، أنه كان يذهب كل غداة سبت حتى يأتي الجبانة ، فيقف على القبور ، فيسلم عليهم ويدعو لهم ثم ينصرف . فقيل له : لو صيرت هذا اليوم يوم الاثنين . قال : بلغني أن الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة ، ويوما قبله ويوما بعده .

وذكر عن سفيان الثوري قال : بلغني عن الضحاك ، أنه قال : من زار قبرا يوم السبت قبل طلوع الشمس ، علم الميت بزيارته . فقيل له : كيف ذلك ؟ قال : لمكان يوم الجمعة .

[ ص: 403 ] الثانية والثلاثون : أنه يكره إفراد يوم الجمعة بالصوم ، هذا منصوص أحمد ، قال الأثرم : قيل لأبي عبد الله : صيام يوم الجمعة ؟ فذكر حديث النهي عن أن يفرد ، ثم قال : إلا أن يكون في صيام كان يصومه ، وأما أن يفرد فلا . قلت : رجل كان يصوم يوما ، ويفطر يوما ، فوقع فطره يوم الخميس ، وصومه يوم الجمعة ، وفطره يوم السبت ، فصار الجمعة مفردا ؟ قال : هذا إلا أن يتعمد صومه خاصة ، إنما كره أن يتعمد الجمعة .

وأباح مالك ، وأبو حنيفة صومه كسائر الأيام ، قال مالك : لم أسمع أحدا من أهل العلم والفقه ومن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة ، وصيامه حسن ، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه ، وأراه كان يتحراه . قال ابن عبد البر : اختلفت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم في صيام يوم الجمعة ، فروى ابن مسعود رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر ) وقال : قلما رأيته مفطرا يوم الجمعة ، وهذا حديث صحيح . وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما ، أنه قال : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر يوم الجمعة قط . ذكره ابن أبي شيبة عن حفص بن غياث ، عن ليث بن أبي سليم ، عن عمير بن أبي عمير عن ابن عمر .

وروى ابن عباس أنه كان يصومه ويواظب عليه . وأما الذي ذكره مالك ، فيقولون : إنه محمد بن المنكدر . وقيل : صفوان بن سليم .

وروى الدراوردي عن صفوان بن سليم ، عن رجل من بني جشم أنه [ ص: 404 ] سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من صام يوم الجمعة كتب له عشرة أيام غرر زهر من أيام الآخرة لا يشاكلهن أيام الدنيا ) .

والأصل في صوم يوم الجمعة أنه عمل بر لا يمنع منه إلا بدليل لا معارض له .

قلت : قد صح المعارض صحة لا مطعن فيها البتة ، ففي " الصحيحين " عن محمد بن عباد ، قال : سألت جابرا : أنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الجمعة ؟ قال : نعم .

وفي " صحيح مسلم " عن محمد بن عباد ، قال : سألت جابر بن عبد الله وهو يطوف بالبيت : ( أنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الجمعة ؟ قال : نعم ورب هذه البنية ) .

وفي " الصحيحين " من حديث أبي هريرة ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده ) . واللفظ للبخاري .

وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين سائر الأيام ، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم ) .

وفي " صحيح البخاري " عن جويرية بنت الحارث " أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة ، فقال : ( أصمت أمس ؟ قالت : لا . قال : فتريدين [ ص: 405 ] أن تصومي غدا ؟ قالت : لا . قال : فأفطري ) .

وفي " مسند أحمد " عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تصوموا يوم الجمعة وحده ) .

وفي " مسنده " أيضا عن جنادة الأزدي ( قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم جمعة في سبعة من الأزد ، أنا ثامنهم وهو يتغدى ، فقال " هلموا إلى الغداء " فقلنا : يا رسول الله ! إنا صيام . فقال : أصمتم أمس ؟ قلنا : لا . قال : فتصومون غدا ؟ قلنا : لا . قال فأفطروا . قال : فأكلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فلما خرج وجلس على المنبر ، دعا بإناء ماء ، فشرب وهو على المنبر والناس ينظرون إليه ، يريهم أنه لا يصوم يوم الجمعة ) .

وفي " مسنده " أيضا عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يوم الجمعة يوم عيد ، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده ) .

وذكر ابن أبي شيبة عن سفيان بن عيينة عن عمران بن ظبيان ، عن حكيم بن سعد ، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : ( من كان منكم متطوعا من الشهر أياما ، فليكن في صومه يوم الخميس ، ولا يصم يوم الجمعة ، فإنه يوم طعام وشراب ، وذكر ، فيجمع الله له يومين صالحين : يوم [ ص: 406 ] صيامه ويوم نسكه مع المسلمين ) .

وذكر ابن جرير عن مغيرة ، عن إبراهيم : أنهم كرهوا صوم الجمعة ليقووا على الصلاة .

قلت : المأخذ في كراهته ثلاثة أمور ، هذا أحدها ، ولكن يشكل عليه زوال الكراهية بضم يوم قبله ، أو بعده إليه .

والثاني : أنه يوم عيد وهو الذي أشار إليه صلى الله عليه وسلم ، وقد أورد على هذا التعليل إشكالان . أحدهما : أن صومه ليس بحرام ، وصوم يوم العيد حرام . والثاني : أن الكراهة تزول بعدم إفراده ، وأجيب عن الإشكالين بأنه ليس عيد العام ، بل عيد الأسبوع ، والتحريم إنما هو لصوم عيد العام .

وأما إذا صام يوما قبله أو يوما بعده فلا يكون قد صامه لأجل كونه جمعة وعيدا ، فتزول المفسدة الناشئة من تخصيصه ، بل يكون داخلا في صيامه تبعا ، وعلى هذا يحمل ما رواه الإمام أحمد رحمه الله في " مسنده " والنسائي ، والترمذي من حديث عبد الله بن مسعود إن صح قال : قلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر يوم جمعة " . فإن صح هذا تعين حمله على أنه كان يدخل في صيامه تبعا ، لا أنه كان يفرده لصحة النهي عنه .

وأين أحاديث النهي الثابتة في " الصحيحين " من حديث الجواز الذي لم يروه أحد من أهل الصحيح ، وقد حكم الترمذي بغرابته ، فكيف تعارض به الأحاديث الصحيحة الصريحة ثم يقدم عليها ؟!

والمأخذ الثالث : سد الذريعة من أن يلحق بالدين ما ليس فيه ، ويوجب التشبه بأهل الكتاب في تخصيص بعض الأيام بالتجرد عن الأعمال الدنيوية ، وينضم إلى هذا المعنى : أن هذا اليوم لما كان ظاهر الفضل على الأيام ، كان الداعي إلى صومه قويا ، فهو في مظنة تتابع الناس في صومه ، واحتفالهم به ما لا يحتفلون بصوم يوم غيره ، وفي ذلك إلحاق بالشرع ما ليس منه . ولهذا المعنى - والله أعلم - نهي عن تخصيص ليلة الجمعة بالقيام من بين الليالي ، [ ص: 407 ] لأنها من أفضل الليالي ، حتى فضلها بعضهم على ليلة القدر ، وحكيت رواية عن أحمد فهي في مظنة تخصيصها بالعبادة ، فحسم الشارع الذريعة وسدها بالنهي عن تخصيصها بالقيام . والله أعلم .

فإن قيل : ما تقولون في تخصيص يوم غيره بالصيام ؟ قيل : أما تخصيص ما خصصه الشارع ، كيوم الاثنين ويوم عرفة ويوم عاشوراء فسنة ، وأما تخصيص غيره كيوم السبت والثلاثاء والأحد والأربعاء فمكروه . وما كان منها أقرب إلى التشبه بالكفار لتخصيص أيام أعيادهم بالتعظيم والصيام فأشد كراهة وأقرب إلى التحريم .

الثالثة والثلاثون : إنه يوم اجتماع الناس وتذكيرهم بالمبدأ والمعاد ، وقد شرع الله سبحانه وتعالى لكل أمة في الأسبوع يوما يتفرغون فيه للعبادة ويجتمعون فيه لتذكر المبدأ والمعاد ، والثواب والعقاب ، ويتذكرون به اجتماعهم يوم الجمع الأكبر قياما بين يدي رب العالمين ، وكان أحق الأيام بهذا الغرض المطلوب اليوم الذي يجمع الله فيه الخلائق ، وذلك يوم الجمعة ، فادخره الله لهذه الأمة لفضلها وشرفها ، فشرع اجتماعهم في هذا اليوم لطاعته ، وقدر اجتماعهم فيه مع الأمم لنيل كرامته ، فهو يوم الاجتماع شرعا في الدنيا ، وقدرا في الآخرة ، وفي مقدار انتصافه وقت الخطبة والصلاة يكون أهل الجنة في منازلهم ، وأهل النار في منازلهم ، كما ثبت عن ابن مسعود من غير وجه أنه قال : ( لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في منازلهم وأهل النار في منازلهم وقرأ : ( أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا ) ) [ الفرقان : 24 ] وقرأ : ( ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم ) ، وكذلك هي في قراءته .

ولهذا كون الأيام سبعة إنما تعرفه الأمم التي لها كتاب ، فأما أمة لا كتاب لها ، فلا تعرف ذلك إلا من تلقاه منهم عن أمم الأنبياء ، فإنه ليس هنا علامة حسية يعرف بها كون الأيام سبعة ، بخلاف الشهر والسنة وفصولها ، ولما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ، [ ص: 408 ] وتعرف بذلك إلى عباده على ألسنة رسله وأنبيائه ، شرع لهم في الأسبوع يوما يذكرهم فيه بذلك ، وحكمة الخلق وما خلقوا له ، وبأجل العالم وطي السموات والأرض ، وعود الأمر كما بدأه سبحانه وعدا عليه حقا ، وقولا صدقا ، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في فجر يوم الجمعة سورتي ( الم تنزيل ) و ( هل أتى على الإنسان ) لما اشتملت عليه هاتان السورتان مما كان ويكون من المبدأ والمعاد ، وحشر الخلائق وبعثهم من القبور إلى الجنة والنار ، لا لأجل السجدة كما يظنه من نقص علمه ومعرفته ، فيأتي بسجدة من سورة أخرى ، ويعتقد أن فجر يوم الجمعة فضل بسجدة ، وينكر على من لم يفعلها .

وهكذا كانت قراءته صلى الله عليه وسلم في المجامع الكبار كالأعياد ونحوها بالسورة المشتملة على التوحيد ، والمبدأ والمعاد ، وقصص الأنبياء مع أممهم ، وما عامل الله به من كذبهم وكفر بهم من الهلاك والشقاء ، ومن آمن منهم وصدقهم من النجاة والعافية .

كما كان يقرأ في العيدين بسورتي ( ق والقرآن المجيد ) و ( اقتربت الساعة وانشق القمر ) ، وتارة : ب ( سبح اسم ربك الأعلى ) و ( هل أتاك حديث الغاشية ) وتارة يقرأ في الجمعة بسورة الجمعة لما تضمنت من [ ص: 409 ] الأمر بهذه الصلاة ، وإيجاب السعي إليها وترك العلم العائق عنها ، والأمر بإكثار ذكر الله ليحصل لهم الفلاح في الدارين ، فإن في نسيان ذكره تعالى العطب والهلاك في الدارين ، ويقرأ في الثانية بسورة ( إذا جاءك المنافقون ) تحذيرا للأمة من النفاق المردي ، وتحذيرا لهم أن تشغلهم أموالهم وأولادهم عن صلاة الجمعة ، وعن ذكر الله ، وأنهم إن فعلوا ذلك خسروا ولا بد ، وحضا لهم على الإنفاق الذي هو من أكبر أسباب سعادتهم ، وتحذيرا لهم من هجوم الموت وهم على حالة يطلبون الإقالة ، ويتمنون الرجعة ولا يجابون إليها ، وكذلك كان صلى الله عليه وسلم يفعل عند قدوم وفد يريد أن يسمعهم القرآن .

وكان يطيل قراءة الصلاة الجهرية لذلك كما صلى المغرب ب ( الأعراف ) وب ( الطور ) و ( ق ) . وكان يصلي الفجر بنحو مائة آية .

وكذلك كانت خطبته صلى الله عليه وسلم ، إنما هي تقرير لأصول الإيمان من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه ، وذكر الجنة والنار ، وما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته ، وما أعد لأعدائه وأهل معصيته ، فيملأ القلوب من خطبته إيمانا وتوحيدا ، ومعرفة بالله وأيامه ، لا كخطب غيره التي إنما تفيد أمورا مشتركة بين الخلائق ، وهي النوح على الحياة ، والتخويف بالموت ، فإن هذا أمر لا يحصل في القلب إيمانا بالله ، ولا توحيدا له ، ولا معرفة خاصة به ، ولا تذكيرا بأيامه ، ولا بعثا للنفوس على محبته والشوق إلى لقائه ، فيخرج السامعون ولم يستفيدوا فائدة غير أنهم يموتون ، وتقسم أموالهم ، ويبلي التراب أجسامهم ، فيا ليت شعري أي إيمان حصل بهذا ؟ ! وأي توحيد ومعرفة وعلم نافع حصل به ؟ .

ومن تأمل خطب النبي صلى الله عليه وسلم وخطب أصحابه ، وجدها كفيلة ببيان الهدى والتوحيد ، وذكر صفات الرب جل جلاله ، وأصول الإيمان الكلية ، والدعوة إلى الله ، وذكر آلائه تعالى التي تحببه إلى خلقه ، وأيامه التي تخوفهم من بأسه ، والأمر بذكره وشكره الذي يحببهم إليه ، فيذكرون من عظمة الله وصفاته وأسمائه ما يحببه إلى خلقه ، ويأمرون من طاعته وشكره ، وذكره ما يحببهم إليه ، فينصرف السامعون وقد أحبوه وأحبهم ، ثم طال العهد وخفي [ ص: 410 ] نور النبوة ، وصارت الشرائع والأوامر رسوما تقام من غير مراعاة حقائقها ومقاصدها ، فأعطوها صورها وزينوها بما زينوها به ، فجعلوا الرسوم والأوضاع سننا لا ينبغي الإخلال بها وأخلوا بالمقاصد التي لا ينبغي الإخلال بها ، فرصعوا الخطب بالتسجيع والفقر ، وعلم البديع ، فنقص بل عدم حظ القلوب منها ، وفات المقصود بها .

فمما حفظ من خطبه صلى الله عليه وسلم أنه كان يكثر أن يخطب بالقرآن وسورة ( ق ) . قالت أم هشام بنت الحارث بن النعمان : ( ما حفظت ( ق ) إلا من في رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يخطب بها على المنبر ) .

وحفظ من خطبته صلى الله عليه وسلم من رواية علي بن زيد بن جدعان وفيها ضعف " ( يا أيها الناس توبوا إلى الله عز وجل قبل أن تموتوا ، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا ، وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له وكثرة الصدقة في السر والعلانية تؤجروا وتحمدوا وترزقوا . واعلموا أن الله عز وجل قد فرض عليكم الجمعة فريضة مكتوبة في مقامي هذا ، في شهري هذا في عامي هذا إلى يوم القيامة ، من وجد إليها سبيلا ، فمن تركها في حياتي أو بعد مماتي جحودا بها أو استخفافا بها وله إمام جائر أو عادل ، فلا جمع الله شمله ولا بارك له في أمره ، ألا ولا صلاة له ، ألا ولا وضوء له ، ألا ولا صوم له ، ألا ولا زكاة له ، ألا ولا حج له ، ألا ولا بركة له حتى يتوب ، فإن تاب تاب الله عليه ، ألا ولا تؤمن امرأة رجلا ، ألا ولا يؤمن أعرابي مهاجرا ، ألا ولا يؤمن فاجر مؤمنا ، إلا أن يقهره سلطان فيخاف سيفه وسوطه ) .

[ ص: 411 ] وحفظ من خطبته أيضا : ( الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة ، من يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ، ولا يضر الله شيئا ) رواه أبو داود وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر خطبه في الحج .

السابق

|

| من 1

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة