العقيدة

منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية

أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية

مكتبة ابن تيمية

سنة النشر: 1406هـ / 1986م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: تسعة أجزاء

مسألة: الجزء الثامن
[ ص: 304 ] فصل

قال الرافضي [1] : " الثالث عشر : أنه ابتدع التراويح مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أيها الناس [2] إن الصلاة بالليل في شهر رمضان من النافلة جماعة بدعة ، وصلاة الضحى بدعة ، فإن قليلا [3] في سنة خير من كثير في بدعة ، ألا وإن كل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة سبيلها إلى النار ، وخرج عمر في شهر رمضان ليلا فرأى المصابيح في المساجد ، فقال : ما هذا ؟ فقيل له : إن الناس قد اجتمعوا لصلاة التطوع ، فقال : بدعة ونعمت [4] البدعة ، فاعترف بأنها بدعة " .

فيقال : ما رئي في طوائف أهل البدع والضلال أجرأ من هذه الطائفة الرافضة على الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقولها عليه ما لم يقله ، والوقاحة المفرطة في الكذب ، وإن كان فيهم من لا يعرف أنها كذب ، فهو مفرط في الجهل كما قال فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم [ ص: 305 ] والجواب من وجوه : أحدها : المطالبة ، فيقال : ما الدليل على صحة هذا الحديث ؟ وأين إسناده ؟ وفي أي كتاب من كتب المسلمين روي هذا ؟ ومن قال من أهل العلم بالحديث : إن هذا صحيح ؟ .

الثاني : أن جميع أهل المعرفة بالحديث يعلمون علما ضروريا أن هذا من الكذب الموضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأدنى من له معرفة بالحديث يعلم أنه كذب لم يروه أحد من المسلمين في شيء من كتبه : لا كتب الصحيح ولا السنن ولا المساند ، ولا المعجمات ولا الأجزاء ، ولا يعرف له إسناد : لا صحيح ولا ضعيف ، بل هو كذب بين .

الثالث : أنه قد ثبت أن الناس كانوا يصلون بالليل في رمضان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وثبت أنه صلى بالمسلمين جماعة ليلتين أو ثلاثا .

ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ليلة من جوف الليل ، فصلى وصلى رجال بصلاته ، فأصبح الناس فتحدثوا فاجتمع أكثر منهم فصلى فصلوا معه فأصبح الناس فتحدثوا ، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى صلاته ، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله ، فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفق رجال يقولون : الصلاة ، فلم يخرج إليهم حتى خرج لصلاة الصبح ، فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد ، ثم قال : " أما بعد ، فإنه لم يخف علي مكانكم ، [ ص: 306 ] ولكن خشيت أن تفرض عليكم ، فتعجزوا عنها فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك ، وذلك في رمضان [5] .

وعن أبي ذر قال : صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رمضان فلم يقم بنا شيئا من الشهر حتى بقي سبع فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل ، فلما كانت السادسة لم يقم بنا ، فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل [6] ، فقلت : يا رسول الله لو نفلتنا قيام هذه الليلة ، قال : " إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليله " ، فلما كانت الليلة الرابعة لم يقم بنا ، فلما كانت الليلة [7] [ الثالثة ] جمع أهله ونساءه ، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح ، قلت : وما الفلاح ؟ قال : السحور ، ثم لم يقم بنا بقية الشهر ، رواه أحمد والترمذي والنسائي وأبو داود [8] .

[ ص: 307 ] وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمر فيه بعزيمة ، ويقول : " من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه " فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر [9] .

وخرج البخاري عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال : خرجت مع عمر ليلة من رمضان إلى المسجد ، فإذا الناس أوزاع متفرقون ، يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط ، فقال عمر : إني لأرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم ، قال عمر : نعمت البدعة هذه [10] ، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون يريد بذلك آخر الليل ، وكان الناس يقومون أوله [11] .

وهذا الاجتماع العام لما لم يكن قد فعل سماه بدعة ، لأن ما فعل ابتداء [ ص: 308 ] يسمى بدعة في اللغة ، وليس ذلك بدعة شرعية ; فإن البدعة الشرعية التي هي ضلالة هي ما فعل بغير دليل شرعي كاستحباب ما لم يحبه الله ، وإيجاب ما لم يوجبه الله وتحريم ما لم يحرمه الله ، فلا بد مع الفعل [12] من اعتقاد يخالف الشريعة ، وإلا فلو عمل الإنسان فعلا محرما يعتقد تحريمه لم يقل إنه فعل بدعة .

الرابع : أن هذا لو كان قبيحا منهيا عنه لكان علي أبطله لما صار أمير المؤمنين وهو بالكوفة ، فلما كان جاريا في ذلك مجرى عمر دل على استحباب ذلك ، بل روي عن علي أنه قال : نور الله على عمر قبره كما نور علينا مساجدنا .

وعن أبي عبد الرحمن السلمي أن عليا دعا القراء في رمضان ، فأمر رجلا منهم يصلي بالناس عشرين ركعة ، قال [13] : وكان علي يوتر بهم [14] .

وعن عرفجة الثقفي قال : كان علي يأمر الناس بقيام شهر رمضان ، ويجعل للرجال إماما وللنساء إماما ، قال عرفجة : فكنت أنا إمام النساء رواهما البيهقي في " سننه " [15] .

وقد تنازع العلماء في قيام رمضان : هل فعله في المسجد جماعة أفضل أم فعله في البيت أفضل ؟ على قولين مشهورين ، هما : قولان [ ص: 309 ] للشافعي وأحمد وطائفة يرجحون فعلها في المسجد جماعة منهم الليث ، وأما مالك وطائفة فيرجحون فعلها في البيت ، ويحتجون بقول النبي صلى الله عليه وسلم : " أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة " أخرجاه في الصحيحين [16] .

وأحمد وغيره احتجوا بقوله في حديث أبي ذر : " الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف كتب [ الله ] له [17] قيام ليلة " [18] .

وأما قوله : " أفضل [ الصلاة ] [19] صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة فالمراد بذلك ما لم تشرع له الجماعة ، وأما ما شرعت له الجماعة [20] كصلاة الكسوف ، ففعلها في المسجد أفضل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المتواترة واتفاق العلماء .

[ ص: 310 ] قالوا : فقيام [21] رمضان إنما لم يجمع النبي صلى الله عليه وسلم الناس عليه خشية أن يفترض ، وهذا قد أمن بموته ، فصار هذا كجمع المصحف وغيره .

وإذا كانت الجماعة مشروعة فيها ففعلها في الجماعة أفضل .

وأما قول عمر رضي الله عنه : " والتي تنامون عنها أفضل ، يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله ، فهذا كلام صحيح ، فإن آخر الليل أفضل كما أن صلاة العشاء في أوله أفضل ، والوقت المفضول قد يختص العمل فيه بما يوجب أن يكون أفضل منه في غيره ، كما أن الجمع بين الصلاتين بعرفة ومزدلفة أفضل من التفريق بسبب أوجب ذلك ، وإن كان الأصل أن الصلاة في وقتها الحاضر [22] أفضل ، والإبراد بالصلاة في شدة الحر أفضل .

وأما يوم الجمعة فالصلاة عقب الزوال أفضل ، ولا يستحب الإبراد بالجمعة لما فيه من المشقة على الناس ، وتأخير العشاء إلى ثلث الليل أفضل إلا إذا اجتمع الناس وشق عليهم الانتظار ، فصلاتها قبل ذلك أفضل ، وكذلك الاجتماع في شهر رمضان في النصف الثاني : إذا كان يشق على الناس .

وفي السنن عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ ص: 311 ] " صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده ، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل ، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله " [23] .

ولهذا كان الإمام أحمد في إحدى الروايتين يستحب إذا أسفر بالصبح أن يسفر بها لكثرة الجمع ، وإن كان التغليس أفضل .

فقد ثبت بالنص والإجماع أن الوقت المفضول قد يختص بما يكون الفعل فيه أحيانا أفضل .

وأما الضحى فليس لعمر فيها اختصاص ، بل قد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال : " أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بصيام ثلاثة أيام [24] من كل شهر ، وركعتي الضحى ، وأن أوتر قبل أن أنام " [25] .

[ ص: 312 ] وفي صحيح مسلم عن أبي الدرداء مثل [26] حديث أبي هريرة [27] .

وفي صحيح مسلم عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة فكل تسبيحة صدقة ، وكل تحميدة صدقة ، وكل تهليلة صدقة ، وكل تكبيرة صدقة ، وأمر بالمعروف صدقة ، ونهي عن المنكر صدقة ، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى " [28] .

السابق

|

| من 1

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة