التاريخ والتراجم

سير أعلام النبلاء

محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي

مؤسسة الرسالة

سنة النشر: 1422هـ / 2001م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: أربعة وعشرون جزءا

مسألة: الجزء الثاني والعشرون
ابن قدامة

الشيخ الإمام القدوة العلامة المجتهد شيخ الإسلام موفق الدين أبو [ ص: 166 ] محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر المقدسي الجماعيلي ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي صاحب " المغني " مولده بجماعيل من عمل نابلس سنة إحدى وأربعين وخمسمائة في شعبان .

وهاجر مع أهل بيته وأقاربه ، وله عشر سنين ، وحفظ القرآن ، ولزم الاشتغال من صغره ، وكتب الخط المليح ، وكان من بحور العلم وأذكياء العالم . ورحل هو وابن خاله الحافظ عبد الغني في أول سنة إحدى وستين في طلب العلم إلى بغداد فأدركا نحو أربعين يوما من جنازة الشيخ عبد القادر ، فنزلا عنده بالمدرسة ، واشتغلا عليه تلك الأيام ، وسمعا منه ومن هبة الله بن الحسن الدقاق ، وأبي الفتح بن البطي ، وأبي زرعة بن طاهر ، وأحمد بن المقرب وعلي ابن تاج القراء ومعمر بن الفاخر ، وأحمد بن محمد الرحبي ، وحيدرة بن عمر العلوي ، وعبد الواحد بن الحسين البارزي ، وخديجة النهروانية ، ونفيسة البزازة ، وشهدة الكاتبة ، والمبارك بن محمد البادرائي ، ومحمد بن محمد بن السكن ، وأبي شجاع محمد بن الحسين المادرائي ، وأبي حنيفة محمد بن عبيد الله الخطيبي ، ويحيى بن ثابت .

وتلا بحرف نافع على أبي الحسن البطائحي ، وبحرف أبي عمرو على أستاذه أبي الفتح بن المني .

وسمع بدمشق من أبي المكارم بن هلال ، وعدة . وبالموصل من خطيبها أبي الفضل الطوسي . وبمكة من المبارك بن الطباخ . وله مشيخة سمعناها .

[ ص: 167 ] حدث عنه البهاء عبد الرحمن والجمال أبو موسى بن الحافظ ، وابن نقطة ، وابن خليل ، والضياء ، وأبو شامة ، وابن النجار ، وابن عبد الدائم ، والجمال بن الصيرفي ، والعز إبراهيم بن عبد الله ، والفخر علي ، والتقي بن الواسطي ، والشمس بن الكمال ، والتاج عبد الخالق ، والعماد بن بدران ، والعز إسماعيل بن الفراء ، والعز أحمد بن العماد ، وأبو الفهم بن النميس ، ويوسف الغسولي ، وزينب بنت الواسطي ، وخلق آخرهم موتا التقي أحمد بن مؤمن يروي عنه بالحضور أحاديث . وكان عالم أهل الشام في زمانه .

قال ابن النجار : كان إمام الحنابلة بجامع دمشق ، وكان ثقة حجة نبيلا ، غزير الفضل ، نزها ، ورعا عابدا ، على قانون السلف ، عليه النور والوقار ، ينتفع الرجل برؤيته قبل أن يسمع كلامه .

وقال عمر بن الحاجب : هو إمام الأئمة ومفتي الأمة خصه الله بالفضل الوافر ، والخاطر الماطر ، والعلم الكامل طنت بذكره الأمصار وضنت بمثله الأعصار ، أخذ بمجامع الحقائق النقلية والعقلية . إلى أن قال : وله المؤلفات الغزيرة ، وما أظن الزمان يسمح بمثله ، متواضع ، حسن الاعتقاد ، ذو أناة وحلم ووقار ، مجلسه معمور بالفقهاء والمحدثين ، وكان كثير العبادة ، دائم التهجد ، لم نر مثله ، ولم ير مثل نفسه .

وعمل الشيخ الضياء سيرته في جزئين فقال : كان تام القامة ، أبيض ، مشرق الوجه ، أدعج ، كأن النور يخرج من وجهه لحسنه ، واسع الجبين ، [ ص: 168 ] طويل اللحية قائم الأنف ، مقرون الحاجبين ، صغير الرأس ، لطيف اليدين والقدمين ، نحيف الجسم ، ممتعا بحواسه .

أقام هو والحافظ ببغداد أربع سنين فأتقنا الفقه والحديث والخلاف ، أقاما عند الشيخ عبد القادر خمسين ليلة ومات ، ثم أقاما عند ابن الجوزي ، ثم انتقلا إلى رباط النعال ، واشتغلا على ابن المني . ثم سافر في سنة سبع وستين ومعه الشيخ العماد ، وأقاما سنة .

صنف " المغني " عشر مجلدات و " الكافي " أربعة ، و " المقنع " مجلدا ، و " العمدة " مجيليدا ، و " القنعة " في الغريب مجيليدا و " الروضة " مجلدا ، و " الرقة " مجلدا ، و " التوابين " مجلدا ، و " نسب قريش " مجيليدا ، و " نسب الأنصار " مجلدا ، و " مختصر الهداية " مجيليدا ، و " القدر " جزءا ، [ و ] " مسألة العلو " جزءا ، و " المتحابين " جزءا ، و " الاعتقاد " جزءا ، و " البرهان " جزءا ، و " ذم التأويل " جزءا ، و " فضائل الصحابة " مجيليدا ، و " فضل العشر " جزءا ، [ و ] " عاشوراء " أجزاء ، [ و ] " مشيخته " جزأين ، [ و ] " وصيته " جزء ، [ و ] " مختصر العلل للخلال " مجلدا ، وأشياء .

قال الحافظ الضياء : رأيت أحمد بن حنبل في النوم فألقى علي مسألة ، فقلت : هذه في الخرقي ، فقال : ما قصر صاحبكم الموفق في شرح الخرقي .

[ ص: 169 ] قال الضياء : كان رحمه الله إماما في التفسير وفي الحديث ومشكلاته ، إماما في الفقه ، بل أوحد زمانه فيه ، إماما في علم الخلاف ، أوحد في الفرائض ، إماما في أصول الفقه ، إماما في النحو والحساب والأنجم السيارة ، والمنازل .

وسمعت داود بن صالح المقرئ ، سمعت ابن المني يقول - وعنده الإمام الموفق - : إذا خرج هذا الفتى من بغداد احتاجت إليه .

وسمعت البهاء عبد الرحمن يقول : كان شيخنا ابن المني يقول للموفق : إن خرجت من بغداد لا يخلف فيها مثلك .

وسمعت محمد بن محمود الأصبهاني يقول : ما رأى أحد مثل الشيخ الموفق .

وسمعت المفتي أبا عبيد الله عثمان بن عبد الرحمن الشافعي يقول عن الموفق : ما رأيت مثله ، كان مؤيدا في فتاويه .

وسمعت المفتي أبا بكر محمد بن معالي بن غنيمة يقول : ما أعرف أحدا في زماننا أدرك درجة الاجتهاد إلا الموفق .

وسمعت الحافظ أبا عبد الله اليونيني يقول : أما ما علمته من أحوال شيخنا وسيدنا موفق الدين ، فإنني إلى الآن ما أعتقد أن شخصا ممن رأيته حصل له من الكمال في العلوم والصفات الحميدة التي يحصل بها الكمال سواه ; فإنه كان كاملا في صورته ومعناه من حيث الحسن والإحسان والحلم والسؤدد والعلوم المختلفة والأخلاق الجميلة ، رأيت منه ما يعجز عنه كبار [ ص: 170 ] الأولياء ، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ما أنعم الله على عبد نعمة أفضل من أن يلهمه ذكره فقلت بهذا : إن إلهام الذكر أفضل من الكرامات ، وأفضل الذكر ما يتعدى إلى العباد ، وهو تعليم العلم والسنة ، وأعظم من ذلك وأحسن ما كان جبلة وطبعا ; كالحلم والكرم والعقل والحياء ، وكان الله قد جبله على خلق شريف ، وأفرغ عليه المكارم إفراغا ، وأسبغ عليه النعم ، ولطف به في كل حال .

قال الضياء : كان الموفق لا يناظر أحدا إلا وهو يتبسم .

قلت : بل أكثر من عاينا لا يناظر أحدا إلا وينسم .

وقيل : إن الموفق ناظر ابن فضلان الشافعي الذي كان يضرب به المثل في المناظرة فقطعه .

وبقي الموفق يجلس زمانا بعد الجمعة للمناظرة ، ويجتمع إليه الفقهاء ، وكان يشغل إلى ارتفاع النهار ، ومن بعد الظهر إلى المغرب ، ولا يضجر ، ويسمعون عليه ، وكان يقرئ في النحو ، وكان لا يكاد يراه أحد إلا أحبه . إلى أن قال الضياء : وما علمت أنه أوجع قلب طالب ، وكانت له جارية تؤذيه بخلقها فما يقول لها شيئا ، وأولاده يتضاربون وهو لا يتكلم . وسمعت البهاء يقول : ما رأيت أكثر احتمالا منه .

[ ص: 171 ] قال الضياء : كان حسن الأخلاق لا يكاد يراه أحد إلا متبسما ، يحكي الحكايات ويمزح . وسمعت البهاء يقول : كان الشيخ في القراءة يمازحنا وينبسط . وكلموه مرة في صبيان يشتغلون عليه ، فقال : هم صبيان ولا بد لهم من اللعب ، وأنتم كنتم مثلهم . وكان لا ينافس أهل الدنيا ، ولا يكاد يشكو ، وربما كان أكثر حاجة من غيره ، وكان يؤثر .

وسمعت البهاء يصفه بالشجاعة ، وقال : كان يتقدم إلى العدو وجرح في كفه ، وكان يرامي العدو .

قال الضياء : وكان يصلي بخشوع ، ولا يكاد يصلي سنة الفجر والعشائين إلا في بيته ، وكان يصلي بين العشائين أربعا " بالسجدة " ، و " يس " ، و " الدخان " ، و " تبارك " ، لا يكاد يخل بهن ، ويقوم السحر بسبع وربما رفع صوته ، وكان حسن الصوت .

وسمعت الحافظ اليونيني يقول : لما كنت أسمع شناعة الخلق على الحنابلة بالتشبيه عزمت على سؤال الشيخ الموفق ، وبقيت أشهرا أريد أن أسأله ، فصعدت معه الجبل فلما كنا عند دار ابن محارب قلت : يا سيدي ، وما نطقت بأكثر من سيدي ، فقال لي : التشبيه مستحيل ، فقلت : لم ؟ قال : لأن من شرط التشبيه أن نرى الشيء ، ثم نشبهه ، من الذي رأى الله ثم شبهه لنا ؟

وذكر الضياء حكايات في كراماته .

وقال أبو شامة : كان إماما علما في العلم والعمل ، صنف كتبا [ ص: 172 ] كثيرة ، لكن كلامه في العقائد على الطريقة المشهورة عن أهل مذهبه ، فسبحان من لم يوضح له الأمر فيها على جلالته في العلم ومعرفته بمعاني الأخبار .

قلت : وهو وأمثاله متعجب منكم مع علمكم وذكائكم كيف قلتم ! وكذا كل فرقة تتعجب من الأخرى ، ولا عجب في ذلك ، ونرجو لكل من بذل جهده في تطلب الحق أن يغفر له من هذه الأمة المرحومة .

قال الضياء : وجاءه من بنت عمته مريم المجد عيسى ، ومحمد ، ويحيى ، وصفية ، وفاطمة ، وله عقب من المجد . ثم تسرى بجارية ، ثم بأخرى ، ثم تزوج عزية فماتت قبله ، وانتقل إلى رحمة الله يوم السبت يوم الفطر ، ودفن من الغد سنة عشرين وستمائة ، وكان الخلق لا يحصون . توفي بمنزله بالبلد . قال : وكنت فيمن غسله .

أخبرنا عبد الحافظ بن بدران ، أخبرنا ابن قدامة ، قرأت على عبد الله بن أحمد بن النرسي ; أخبركم الحسن بن محمد التككي ، أخبرنا أبو علي بن شاذان ، أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر الأدمي ، حدثنا أحمد بن موسى الشطوي حدثنا محمد بن كثير العبدي ، حدثنا عبد الله بن المنهال ، عن سليمان بن قسيم عن سليمان بن بريدة ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لما أهبط الله آدم إلى الأرض طاف بالبيت سبعا ، ثم صلى خلف [ ص: 173 ] المقام ركعتين ، ثم قال : اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي ، وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي . الحديث .

السابق

|

| من 1

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة