التاريخ والتراجم

سير أعلام النبلاء

محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي

مؤسسة الرسالة

سنة النشر: 1422هـ / 2001م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: أربعة وعشرون جزءا

مسألة: الجزء الثالث عشر
الخبيث

هو طاغية الزنج علي بن محمد بن عبد الرحمن العبدي ، من عبد القيس .

افترى ، وزعم أنه من ولد زيد بن علي العلوي ، وكان منجما طرقيا ذكيا ، حروريا ماكرا ، داهية منحلا ، على رأي فجرة الخوارج ، يتستر [ ص: 130 ] بالانتماء إليهم ، وإلا فالرجل دهري فيلسوف زنديق .

ظهر بالبصرة واستغوى عبيد الناس وأوباشهم ، فتجمع له كل لص ومريب ، وكثروا ، فشد بهم على أهل البصرة ، وتم له ذلك ، واستباحوا البلد ، واسترقوا الذرية ، وملكوا ، فانتدب لحربهم عسكر المعتمد ، فالتقى الفريقان ، وانتصر الخبيث ، واستفحل بلاؤه ، وطوى البلاد ، وأباد العباد ، وكاد أن يملك بغداد ، وجرت بينه وبين الجيش عدة مصافات وأنشأ مدينة سماها : المختارة ، في غاية الحصانة ، وزاد جيشه على مائة ألف ، ولولا زندقته ومروقه لاستولى على الممالك .

وقد سقت من فتنته في دولة المعتمد ، وكانت أيامه أربع عشرة سنة .

قال نفطويه : كان أولا بواسط ، وربما كتب العوذ ، فأخذه محمد بن أبي عون ، فحبسه ، ثم أطلقه ، فما لبث أن خرج واستغوى الزنج -يعني : عبيد الناس والذين يكسحون ويزبلون -فصار من أمره ما صار ، وخافته الخلفاء ، ثم أظفرهم الله به بعد حروب تشيب النواصي .

وقتل -ولله الحمد- في سنة سبعين ومائتين ، في صفر ، وله ثمان وأربعون سنة .

ولو أفردت أخباره ووقائعه لبلغت مجلدا . وكان مفرط الشجاعة ، [ ص: 131 ] جريئا داهية ، قد استوعب ابن النجار سيرته .

رئي أبوه أنه بال في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بولة أحرقت نصف الدنيا .

وكانت أم الخبيث تقول : لم يدع ابني أحدا عنده علم بالري حتى خالطهم ، ثم خرج إلى خراسان ، فغاب عني سنتين ، وجاء ، ثم غاب عني غيبته التي خرج فيها ، فورد علي كتابه من البصرة ، وبعث إلي بمال ، فلم أقبله ، لما صح عندي من سفكه للدماء ، وخرابه للمدن .

قلت : وكان أبوه داهية شيطانا كولده . فقال علي : مرضت وأنا غلام ، فجلس أبي يعودني ، وقال لأمي : ما خبره ؟ قالت : يموت . قال : فإذا مات ، من يخرب البصرة ؟ قال : فبقي ذاك في قلبي .

وقيل : مات أبوه بسامراء سنة إحدى وثلاثين ومائتين . فقال علي الشعر ، ومدح به ، وصار كاتبا ، ودخل في ادعاء الإمامة وعلم المغيبات ، وخاف ، فنزح من سامراء إلى الري لميراث في سنة تسع وأربعين .

قلت : بعد مصرع المتوكل وابنه ، وأولئك الخلفاء المستضعفين المقتولين ، نقض أمر الخلافة جدا ، وطمع كل شيطان في التوثب ، وخرج الصفار بخراسان واتسعت ممالكه ، وخرج هذا الخبيث بالبصرة ، وفعل ما فعل . وهاجت الروم ، وعظم الخطب . ثم بعد سنوات ثارت القرامطة والأعراب ، وظهر بالمغرب عبيد [ ص: 132 ] الله ، الملقب بالمهدي ، وتملك . ثم دامت الدولة في ذرية الباطنية إلى دولة نور الدين -رحمه الله .

فادعى بعد الخمسين هذا الخبيث بهجر أنه علي بن محمد بن الفضل بن حسين بن عبد الله بن عباس بن علي بن أبي طالب . ودعا إلى نفسه ، فمال إليه رئيس هجر ، ونابذه قوم ، فاقتتلوا ، فتحول إلى الأحساء ، واعتصم ببني الشماس ، وإنما قصد البحرين لغباوة أهلها ، ورواج المخاريق عليهم ، فحل منهم محل نبي ، وصدقوه بمرة ، ثم تنكروا له لدبره ، فشخص إلى البادية يستغوي الأعاريب بنفوذ حيله ، وشعوذته ، واعتقدوا فيه أنه يعلم منطق الطير .

وجعل يغير على النواحي ، ثم تمت له وقعة كبيرة ، هزم فيها وقتل كبراء أتباعه ، وكرهته العرب ، فقصد البصرة ، فنزل في بني ضبيعة ، والتف عليه جماعة في سنة أربع وخمسين ، وطمع في ميل البصريين إليه ، فأمر أربعة ، فدخلوا الجامع يدعونهم إلى طاعته ، فلم يجبه أحد ، بل وثب الجند إليهم ، فهرب ، وأخذ أتباعه وابنه الكبير وأمه وبنته ، فحبسوا .

وذهب إلى بغداد فأقام سنة يستغوي الناس ويضلهم ، فاستمال عدة من الحاكة بمخاريقه ، والجهلة أسبق شيء إلى أرباب الأحوال الشيطانية ، [ ص: 133 ] ومات متولي البصرة ، وهاجت الأعراب بها وفتحوا السجون ، فتخلص قومه فبادر إلى البصرة في رمضان سنة خمس ، وحوله جماعة ، واستجاب له عبيد زنوج للناس ، فأفسدهم وجسرهم ، وعمد إلى جريدة ، فكتب على خرقة عليها : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة وكتب اسمه .

وخرج بهم في السحر لليلتين بقيتا من رمضان في ألف نفس ، فخطبهم ، وقال : أنتم الأمراء وستملكون . . . ووعدهم ، ومناهم ، ثم طلب أستاذيهم ، وقال : أردت ضرب أعناقكم لأذيتكم لهؤلاء الغلمان . قالوا : هؤلاء أبقوا ولا يبقون عليك ولا علينا . فأمر غلمانهم ، فبطحوهم ، وضربوا كل واحد خمسمائة ، وحلفهم بالطلاق أن لا يعلموا أحدا بموضعه .

وقيل : كان ثم خمسة عشر ألف عبد يعملون في أموال مواليهم ، فأنذروا ساداتهم بما جرى ، فقيدوهم ، فأقبل حزبه ، فكسروا قيودهم ، وضموهم إليه ، فلما كان يوم الفطر ركز علمه وصلى بهم العيد ، وخطبهم ، وأعلمهم أن الله يريد أن يمكن لهم ويملكهم ، وحلف لهم على ذلك ثم نزل ، فصلى بهم .

ثم لم يزل ينهب ويغير ، ويكثر جمعه من كل مائق وقاطع طريق ، حتى استفحل أمره ، وعظمت فتنته ، وغنم الخيول والسلاح ، والأمتعة والأموال والمواشي . وصار من الملوك . وصار كلما حاربه عسكر وانهزموا ، [ ص: 134 ] فر إليه غلمان العسكر . فحشد له أهل البصرة في ذي القعدة من العام ، والتقوا ، فهزمهم ، وقتل منهم مقتلة ، ووقع رعبه في النفوس ، فوجه الخليفة جيشا ، فما نفعوا .

ثم أوقع بأهل الأبلة في سنة ست ، وأحرقها ، فسلم أهل عبادان بأيديهم ، وسالموه ، فأخذ عبيدهم وسلاحهم .

ثم أخذ الأهواز ، فخافه أهل البصرة ، وانجفلوا ، فأخذها بالسيف في شوال ، سنة سبع وخمسين ، وقت صلاة الجمعة ، وهرب جندها فأحرق الجامع بمن حوى ، ولم تزل الحرب بينه وبين الموفق سجالا .

واستباح واسط في سنة أربع وستين ، وحصل للخبيث جواهر وأموال ، فاستأثر بها ، فأنكر عليه المتقشفون من أصحابه ، وذكروا له سيرة أبي بكر وعمر ، فقال : ليس فيهما قدوة .

وادعى أنه هو عبد الله المذكور في : قل أوحي وزعم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما يمتاز عليه إلا بالنبوة .

وزعم أنه تكلم في المهد ، صيح به : يا علي ! فقال : يا لبيك . وكان يجمع اليهود والنصارى ، يسألهم عما في التوراة والإنجيل من ذكره ، وهم يسخرون منه ، ويقرؤون له فصولا ، فيدعي أنها فيه . وزاد من [ ص: 135 ] الإفك ، فنفرت منه قلوب خلق من أتباعه ومقتوه .

ولم يجد لجيشه لما كثروا بدا من أرزاق ، فقرر للجندي في الشهر عشرة دنانير ، فحسد قواده الفرسان ، وشغل بإنشاء الأبنية ، وفتر عن الزنج ، فهموا بالفتك به .

وأنشأ القائد الشعراني مدينة منيعة ، فأخذت ، وهرب الشعراني .

وأنشأ سليمان بن جامع مدينة سماها : " المنصورة " ، وحصنها بخمسة خنادق وطولها فرسخ ، فأخذت ، ونجا ابن جامع .

وبقي الموفق يكرم كل من فر إليه ، ويخلع عليهم . وكتب إلى الخبيث يدعوه إلى التوبة من ادعاء مخاطبة الملائكة ، ومن تحريفه القرآن وضلالته ، فما أجاب بشيء ، وحصن مدينته " المختارة " التي بنهر أبي الخصيب ، حتى بقيت يضرب بها المثل ، ونصب فيها المجانيق والأسلحة بما بهر العقول ، وبها نحو مائتي ألف مقاتل .

فما قدر عليها الجيش إلا بالمطاولة ، وأنشأ تلقاءها الموفق مدينة وسكنها ، ولم يزل إلى أن أخذ " المختارة " فهرب الخبيث إلى مضائق في نهر أبي الخصيب ، لا تصل إليها سفينة ولا فارس ، ثم برز في أبطاله ، وقاتل أشد قتال ، وهو يقول :

وعزيمتي مثل الحسام ، وهمتي نفس أصول بها كنفس القسور     وإذا تنازعني أقول لها اسكتي
قتل يريحك أو صعود المنبر

[ ص: 136 ] قال أحمد بن داود بن الجراح الكاتب : وصاحب الزنج : هو علي بن محمد بن عبد الرحيم بن رجب ، من أهل الري ، له حظ من الأدب ، وهو القائل :

أما والذي أسرى إلى ركن بيته     حراجيج بالركبان مقورة حدبا
لأدرعن الحرب حتى يقال لي     قضيت ذمام الحرب فاعتجر الحربا

وله إلى الخليفة :

بني عمنا إنا وأنتم أنامل     تضمنها من راحتيها عقودها
بني عمنا لا توقدوا نار فتنة     بطيء على مر الزمان خمودها
بني عمنا وليتم الترك أمرنا     ونحن قديما أصلها وعديدها

السابق

|

| من 1

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة