الجمعة 11 محرم 1440

المركز الأول في فئة المحتوى الإلكتروني - مسقط 2009




(إذا اصطكت الرايات الصفر، والسود في سرة الشام) الراوي والرواية

الخميس 12 شعبان 1434 - 20-6-2013

رقم الفتوى: 211195
التصنيف: أخبار أهل الكتاب

 

[ قراءة: 41875 | طباعة: 358 | إرسال لصديق: 0 ]

السؤال
المشايخ الفضلاء في إسلام ويب، أفيدونا بارك الله فيكم عن صحة حديث، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا اصطكت الرايات الصفر، والسود في سرة الشام، فالويل لساكنها من الجيش المهزوم، ثم الويل لها من الجيش الهازم) وفي رواية: إذا التقت الرايات السود، والرايات الصفر في سرة الشام فبطن الأرض خير من ظهرها). نريد أولا من سيادتكم تخريج هذا الحديث وما صحته؟ ثانيا: ما معنى سرة الشام؟ بارك الله فيكم.
الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

 فالحديثان المشار إليهما في السؤال هما مما تفرد به نُعيم بن حماد في كتاب "الفتن" له، وليسا بمرفوعين إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بل هما من المقطوع، وهو قول التابعي، أما الأول فإلى أرطاة بن المنذر، وهو أحد التابعين من أهل الشام، وأما الآخر فإلى كعب الأحبار وهو من التابعين من علماء بني إسرائيل يروي عن كتبهم.

قال نُعيم بن حماد: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَرْوَانَ، عَنْ أَرْطَاةَ، قَالَ: إِذَا اصْطَكَّتِ الرَّايَاتُ الصُّفْرُ، وَالسُّودُ فِي سُرَّةِ الشَّامِ، فَالْوَيْلُ لِسَاكِنِهَا مِنَ الْجَيْشِ الْمَهْزُومِ، ثُمَّ الْوَيْلُ لَهَا مِنَ الْجَيْشِ الْهَازِمِ، وَيْلٌ لَهُمْ مِنَ الْمُشَوَّهِ الْمَلْعُونِ.

وقال: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي هَزَّانَ، عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: إِذَا الْتَقَتِ الرَّايَاتُ السُّودُ، وَالصُّفْرُ فِي سُرَّةِ الشَّامِ فَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ مِنْ ظَهْرِهَا.

قَالَ صَفْوَانُ: لَيَنْزِعَنَّ الْبَرْبَرُ أَبْوَابَ حِمْصَ فَضْلًا عَمَّا سِوَاهَا. اهـ.

ولا يصح ديانةً الاحتجاجُ بما هذا حاله من الروايات عموماً ولو صح إلى قائله، فكيف وقد تفرد بذلك نعيم بن حماد في "الفتن".

قال الذهبي رحمه الله: نعيم من كبار أوعية العلم، لكنه لا تركن النفس إلى رواياته.

وقال: لا يجوز لأحد أن يحتج به، وقد صنف كتاب "الفتن" فأتى فيه بعجائب.

وقال مسلمة بن قاسم: كان صدوقا وهو كثير الخطأ، وله أحاديث منكرة في الملاحم انفرد بها.

وسئل عنه ابن معين، فقال: ليس في الحديث بشيء، ولكنه صاحب سنة.

قال الحافظ أبو علي النيسابوري: سمعت النسائي يذكر فضل نعيم بن حماد، وتقدمه في العلم والمعرفة بالسنن، فقيل له في قبول حديثه، فقال: قد كثر تفرده عن الأئمة فصار في حدِّ مَن لا يُحتج به.

وقد وثقه بعضهم، وغالب ما أُنكر عليه أحاديث الفتن والملاحم كما مر، وهذا منها، ولم يحتج به البخاري في صحيحه، وإنما روى عنه مقروناً بغيره.

ولمزيد اطلاع على حال نُعيم بن حماد يمكن الاطلاع على الفتوى رقم: 22043.

هذا وينبغي على المسلم أن يتعامل مع مثل هذه الإسرائيليات بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَقْرَءونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ. الْآيَةَ. وفي سنن أبي داود ومسند أحمد: إِذا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ. فَإِنْ كَانَ بَاطِلًا لَمْ تُصَدِّقُوهُ، وَإِنْ كَانَ حَقًّا لَمْ تُكَذِّبُوهُ.

وعليه؛ فالواجب في مثل هذا السكوتُ عنه، وذلك كما بيناه في الفتوى رقم: 143441

هذا إن صحت نسبته إلى علماء بني إسرائيل وكانوا ممن يوثق بصدقهم في نقلهم ككعب الأحبار، كما روى البخاري في صحيحه موقوفاً: أن معاوية سُمع  يحدث رهطاً من قريش بالمدينة، وذكر كعب الأحبار فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لَنَبلُو عليه الكذب. 

 قال ابن حجر في الفتح: أي يقع بعض ما يخبرنا عنه بخلاف ما يخبرنا به، قال ابن التين: وهذا نحو قول ابن عباس في حق كعب المذكور: بدَّل مَن قبلَه فوقع في الكذب.

قال ابن حبان في " كتاب الثقات ": أراد معاوية أنه يخطئ أحياناً فيما يخبر به، ولم يرد أنه كان كذاباً.

 أما ما لم تثبت نسبته إليهم -كما هو الحال هنا- فلا يلتفت إليه أصلاً.

 وأما سؤالكم عن معنى سرة الشام، فقد ذكر نعيمٌ نفسه في موضع آخر من كتابه أنها دمشق.

وروى الطبري في تاريخه عن محمد بن إسحاق عن رجل من أهل الشام ما فيه أن سرة الشام هي أرض سورية، قال: وكانت أرض سورية فلسطين، والأردن، ودمشق، وحمص. 

هذا وننصح السائل والقارئ بعدم التسرع في تنزيل ما صح من أخبار الفتن والملاحم وغيرها على ما يقع من أحداث بعينها؛ فإن في ذلك نوعاً من التخرص والمجازفة، بل على المرء التأني والنظر، وعدم أخذ أجزاء الروايات مع ترك باقيها.

والله أعلم بالصواب.

الفتوى التالية الفتوى السابقة