الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

نصحت ولدي لتعديل سلوكه فترك المنزل، فماذا أفعل؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أرجو إرشادنا بعد ـ الله تعالى ـ مما علمكم الله بحل إشكالية حصلت مع أحد أبنائي، وهي أنه أكمل الثانوية العامة ومستعد للالتحاق بالجامعة، ومن مسؤوليتنا نحن الآباء مراقبة سلوك الأبناء، فما أن علمت أنه يتأخر في القدوم إلى البيت ليلاً ويدخن، بادرت إليه بالنصيحة بترك ذلك، وفي اليوم التالي حزم أمتعته وذهب إلى أمه المطلقة التي تسكن في قرية مجاورة وله أكثر من أسبوعين، في هذه المدة أرسلت له رسالة بالعودة إلى البيت لكن دون جدوى.

فما رأيكم الشرعي والحل في هذه المشكلة؟

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمود حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد،،،

فإنه ليسرنا أن نرحب بك في موقعك إسلام ويب، فأهلاً وسهلاً ومرحباً بك، وكم يسعدنا اتصالك بنا في أي وقت وفي أي موضوع، ونسأله تبارك وتعالى أن يصلح لك ولدك، وأن يصلح لك أبناءك، وأن يصلح أبناء المسلمين أجمعين، كما نسأله تعالى أن يرد ولدك إلى عقله وصوابه مردّاً جميلاً، وأن يغفر له وأن يتوب عليه، وأن يوفقك لحسن التعامل معه، وأن يعينك على التواصل معه بطريقة لا تجعله ينفر منك ولا يتأفف، وأن يجعله من المتميزين المتفوقين، وأبناءنا وأبناء المسلمين أجمعين.

بخصوص ما ورد برسالتك - أخي الكريم الفاضل – فإنه وكما لا يخفى عليك أن مرحلة دخول الإنسان في الرجولة أو مرحلة المراهقة - كما يقولون – يعتريها نوع من التغيير في مكونات الشخصية البشرية، ولذلك يسمونها (الولادة الجديدة) أو (الولادة الثانية)؛ لأن الولادة الأولى يخرج بها من رحم أمه، والولادة الثانية يخرج بها من عالم الطفولة إلى عالم الرجولة، إلا أنه قد يكون للمفاهيم الخاطئة أثر في سلوك الشخص، فالآن يفهم أنه ما دام قد أصبح رجلاً فإن من حقه أن يتأخر خارج البيت إلى أي وقت يريد، بل من حقه أن يدخن أو أن يشرب المخدرات أو أن يفعل ما شاء، على اعتبار أنه انتقل من عالم الطفولة إلى عالم الرجولة وأصبح مفتول العضلات نوعاً ما، أصبح هناك نوع من الاعتزاز بنفسه وأنه لم يعد طفلاً يتلقى تعليمات أو أوامر مباشرة من والديه أو من غيرهما، أصبح لديه رغبة في الخروج عن سلطان الأسرة والبيت والمجتمع، وأن يكون حرّاً مستقلاً يفعل ما يحلو له، إلى غير ذلك من الأمراض أو الأعراض التي تصيب الشباب في مثل هذه المرحلة.

ولذلك التعامل معهم في هذه الفترة يكون حساساً للغاية، فإن الأمر قد يكون بسيطاً من وجهة نظرك، ولكنه قد يكون إهانة بالغة بالنسبة له، وأنا أقول - بارك الله فيك – هذا أيضاً متوقف على أسلوبك وطريقة معاملتك، فبعض الناس عندما يرى ولده يفعل - كما فعل ولدك – مثلاً يتأخر في العودة إلى البيت ليلاً، أو مثلاً يشرب الدخان أو غيره، يرى أن ولده في مشكلة، ولذلك لا يوبخ ولا يعنف ولا يضرب ولا يهجر، وإنما يمد يد المساعدة الحانية الطيبة لدى الأبوة الخالصة إلى ولده لينتشله، بسؤاله: لماذا تغيب عن البيت إلى تلك الفترة المتأخرة؟ هل هناك مشكلة؟ وأين كنت يا ولدي؟ وتبدأ تتكلم معه برفق، تقول له: أنا أريد أن أساعدك، أنا لا أريد أن أقيد حريتك ولكني أريد أن أساعدك وأن أقف معك؛ لأن تأخرك في خارج البيت إلى هذا الوقت المتأخر يدل على أن هناك نفورا من البيت، فقد يكون هناك أمر أنا لا أعرفه فأعلمني به.

وليكن هذا الكلام - بارك الله فيك – بينك وبينه بعيداً عن إخوانه وأخواته، خاصة وأن هذا الولد الشاب ليست أمه التي معك في المنزل – كما فهمت – وإنما الذي يوجد معه في المنزل إخوانه غير الأشقاء وزوجة أبيه، وهناك حساسية بطبيعة الحال من هذه المواقف - أخي الكريم محمود – ولذلك أنا أخشى أن تكون أنت فعلاً قد بالغت في طريقة العلاج حتى نفر ولدك منك، لأنك - كما ذكرت – إذا اعتبرت أن ولدي في مشكلة وبدأت أن أقدم يد المساعدة له وكنتُ حريصاً على ألا أجرح مشاعره أو أثير كبرياءه، فإنني أستطيع أن أنجح ولا يترتب على ذلك ترك البيت والخروج منه كما ذكرتَ أنت- حتى وإن ذهب إلى أمه.

إذا كانت الأمور عادية طبيعية فلن يكون هناك داعٍ لئن يترك الأسرة؛ لأنه لن يجد هناك أبداً أحن ولا أبر به منك، ولكن إذا كان الأسلوب فيه شيء من الشدة والعنف فقد يترتب عليه هذا التصرف الذي فعله ولدك. ولذلك أقول: لو أنك استعملت أسلوباً خشناً أو شديداً أو عنيفاً معه فأنت تحتاج أن تجتهد في إرسال من يأتيك به، ولا مانع أن تعتذر له، تقول له: (يا ولدي لعلي أني أخطأت التصرف معك فلتسامحني فأنا أردت مصلحتك، فأنت رجل الآن على أبواب الجامعة وأنا أريدك أن تكون متميزاً وأريدك وأريدك) من الكلام الطيب الذي يعطيه ثقة في نفسه ويُشعره بأنك تثق فيه رغم أخطاءه الذي فعلها.

فأتمنى أن يكون ذلك وسريعاً؛ لأن أمه قطعاً لن تستطيع أن تقوم أبداً بدورك، ولعلها أن تترك الحبل على الغارب فلا يزداد الأمر إلا سوءاً، ولا يزداد الطين إلا بلة ولا يزداد المرض إلا علة؛ لأن الأمهات خاصة الأم المطلقة ستقف مع ولدها على اعتبار أن الذي طرده من البيت ليس أنت إنما زوجة أبيه، ولذلك قد تحتويه وتضمه بطريقة خاطئة ليقوم في الوقت الذي يحلو له من النوم ويفعل ما شاء دون مراقبة أو مراجعة؛ لأن أمه تريد أن تحتويه إذا كانت ظروفها تسمح بذلك، وأنت بذلك قد رميته في داخل الفرن وقلت له: (ولدي إياك أن تحترق بالنار) أو ألقيته في وسط اليم – البحر – وقلت له: (إياك أن تبتل).

فأنا أقول: إذا كان أسلوبك كان فيه نوع شدة فأرسل من يأتيه أو من يحضره، وتكلم معه بعيداً عن أي أحد، ولا مانع أن تعتذر له عن تصرفك، وأن تبيِّن له أن الدافع إنما هو حبك لمصلحته وحرصك عليه، ثم تعطيه رسائل في الثقة وأنك تثق فيه وأنك تريده أن يكون كذا وكذا – كما ذكرت -.

أما إن كان أسلوبك عادياً وكنت فعلاً ما تجاوزت الحد الطبيعي أو ما قلت كلمات جارحة أو عبارات نابية أو مثلاً بالصراخ وارتفاع صوت حتى إنك فضحته بين أخواته وإخوانه أو بين جيرانه، فأنا أرى أن تتركه فترة مع أمه؛ لأنه قطعاً سوف يأتيك على اعتبار أنك الملجأ والملاذ بعد الله تعالى، فإذا طالت الفترة فأرسل إليه أيضاً، إن استطعت أن تذهب بنفسك لتأتي به فهذا حسن، وإن لم تستطع فترسل بعض الأشخاص الكبار الذين يحبهم ويقدرهم لتأتي به إلى بيتك ولتتعامل معه - بارك الله فيك – بطريقة فيها رفق ولين وعطف وحنان حتى لا تفقده، خاصة وان له بيتاً آخر وهو بيت أمه، يعني أنت لست البيت الوحيد الذي يعيش فيه، وإنما له بيتان: بيت عندك وبيت عند أمه، والأم قطعاً مصدر الحنان والعطف والرقة، والأم مصدر الصبر والتحمل ومصدر الستر على أولادها حتى وإن كانوا سيئين، حتى وإن ترتب على ذلك إفسادهم أو ضياع مستقبلهم، وهذا في العموم وهذا الأعم الأغلب.

كما أوصيك أيضاً بالدعاء له، ادع الله أن يصلحه تبارك وتعالى وأن يصلح أخوانه أيضاً؛ لأن الدعاء كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يرد القضاء إلا الدعاء)، والله تبارك وتعالى قال: (( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ))[غافر:60]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهنَّ) وعدَّ منهنَّ دعوة الوالد لولده، فادع لولدك وادع لأولادك جميعاً ولأبناء المسلمين، ونسأل الله تعالى أن يصلح ولدك وأولادنا وسائر المسلمين، وأن يرد إليك ولدك مرداً جميلاً، وأن يصلح ما بينك وبينه، إنه جواد كريم.

هذا وبالله التوفيق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً