الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

وسواس قهري في العقيدة وأفكار أخرى، فهل لها من علاج؟

السؤال

السلام عليكم..

أحب أن أشكركم على كل ما تقدمونه للمسلمين وللناس أجمعين، وأنتم فخر لكل مسلم.

أنا سوري لاجئ في ألمانيا، عمري 21 سنة، والدي يعاني مرض الذهان، ما حدث أنني مذ كنت في الصف السادس كان لدي تصرفات غريبة جدا لم أنتبه لها إلا بعد أن كبرت، فمثلا أتذكر أني لسنة كاملة كنت أظن أنني مصاب بالإيدز بدون سبب مقنع، وأتذكر فترة كنت أردد كلمة في ذهني دائما، وهي يا رب ما أمرض، أرددها كثيرا إلى أن يؤلمني رأسي، ومن ثم بدأت لدي عادة لمس أعمدة النور في الشوارع، وإن مشيت بجانب أحدها ولم ألمسه أرجع إليه وكأن شيئا سيحدث إذا لم ألمسه، وعندما أشتري ثيابا جديدة أرجع للبيت بحذر خوفا أن يصيبني مكروه، لا أعرف ما سبب هذا الشعور؟

وليس لدي ثقة بنفسي أبدا، مع أنني والحمد لله ابن جاه وعز، وما حدث في الفترة الأخيرة أنني لجأت إلى ألمانيا وبقيت في أحد خيم اللاجئين لمدة سنتين حافلة بالمشاكل، بدأت تأتيني في أخرى أفكار غريبة جدا بأن الحياة وهم، والأديان كذبة -أستغفر الله- وأفكار فلسفية غريبة جدا وأحيانا تافهة.

أرجوكم أغيثوني، فقد تعبت من التفكير.

وشكرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نرحب بك في الشبكة الإسلامية، ونسأل الله أن يتقبَّل صيامكم وطاعاتكم، ونسأل الله أن يكتب لكم الاستقرار، وأن يردَّ غربتكم، وأن تعودوا إلى دياركم وبلادكم سالمين غانمين.

أيها الفاضل الكريم: ما ذكرته في رسالتك بالفعل يدلُّ أنك مررت بفترات كانت تنتابك فيها أفكار وسواسية، وكذلك طقوس وسواسية، عملية لمس أعمدة النور في الشوارع، هذه تأتي تحت نطاق النمط الوسواسي الرتيب، وموضوع أنك مُصاب بالإيدز هذا نوع من المخاوف الوسواسية، والآن ما يأتيك حول الأديان وأن الحياة وهم، هذا أيضًا وسواس، والوسواس كثيرًا ما يأتي في شكل نماذج فكرية فلسفية متشعبة جدًّا، والوسواس يتحول من وسواس لآخر.

أخي: الحمد لله تعالى أنت وساوسك من النوع المتقطع، ويظهر أنك حين تكون عرضة لضغوطٍ تبدأ فورة الوسواس تظهر وتشتعل لديك، كما تفضلت الآن أنت في أحد معسكرات اللاجئين، وقطعًا الحياة ليست مواتية هنالك مائة بالمائة، وهذا قد يكون سبَّب لك ضغطًا مما أظهر هذا الوسواس.

العلاج يتمثَّلُ في الآتي:
أولاً: أن ترفض الوسواس، ألَّا تجعله جزءً من حياتك، ألَّا تُناقش الوسواس، من أخطر الأشياء هي أن يبدأ الإنسان يُحلل الوساوس ويُناقشها ويحاول أن يجد لها مبررِّات، هذا خطأ جسيم ويقع فيه الكثير من الناس.

أنا أعرف أن التجاهل أو المقاومة ليست سهلة، لكنها ليست مستحيلة، ليست سهلة لأن الوسواس من صفاتها وسماتها الإلحاح والاستحواذية والاندفاع الشديد من حيث الناحية الفكرية على الإنسان، لكن الإنسان حين يقاومها ويتجاهلها هذا هو العلاج الأفضل، ومقاومتك وتجاهلك لها يمكن أن يكون عن طريق المخاطبة، حين تأتيك الفكرة الوسواسية وتريدُ أن تغمر فكرك قل لها: (أنتِ فكرة وسواسية حقيرة، أنتِ تحتَ قدمي، أنا لن أناقشكِ، اذهبْ عني أيها الحقير، اذهب عنّي أيها الوسواس، لا مكان لك في حياتي) ... وهكذا، من خلال هذه المخاطبات السلوكية، بشرط أن تكون جادَّة، وأن يكون لك اليقين التامّ بأن الوسواس سوف يذهب.

إذًا رفض الوسواس، تجاهل الوسواس، تحقير الوسواس من الأشياء المهمة جدًّا.

النقطة الثانية: أن تقوم بفعل بديلٍ أو بفكرٍ بديل، مثلاً حين تأتيك الفكرة عن الأديان، أو تأتيك فكرة أن الحياة لا معنى لها، ليس من الضروري أن تكون الفكرة مضادة، يمكن أن تفكّر في شيء آخر، قل: (أنا إن شاء الله تعالى بعد خمس سنوات سوف يكون لدي كذا وكذا من ناحية الوظيفة، من ناحية الزواج...) ابدأ في زرع أفكار جديدة مكان هذه الأفكار، وكما ذكرتُ لك ليس من الضروري أن تكون الأفكار استبدالية أو مضادة أو هكذا نسميها.

الأمر الآخر هو: أن تشغل نفسك، الوساوس دائمًا تتصيَّد الناس من خلال الفراغ –الفراغ الذهني، والفراغ الزمني، والفراغ الفكري– فأرجو أن تُقلِّص تمامًا من الفراغ لديك، وهذا إن شاء الله تعالى يُساعدك كثيرًا.

النقطة الثالثة هي العلاج الدوائي: الحمد لله تعالى من فضله ومِنَّته علينا أنه توجد الآن أدوية فعّالة جدًّا، أدوية أستطيع أن أقول أنها تُفتِّتْ الوساوس، تقصم ظهر الوساوس، والأبحاث والدراسات كلها أشارت أن هنالك تغيرات كيميائية تحدث في الموصِّلات العصبية الخاصة في دماغ الإنسان، ومن هنا أتت فكرة فعالية وأهمية الأدوية، والأدوية سليمة جدًّا، ولدينا خمسة أو ستة أو سبعة أدوية كلها أدوية، كلها فاعلة، وإن شاء الله تعالى تجد فيها كثيرًا.

الدواء الذي أرشحه لك يُعرف علميًا باسم (فلوكستين) ويُسمى تجاريًا (بروزاك)، ابدأ في تناوله دون أي يتردد، والجرعة هي كبسولة واحدة في اليوم بعد الأكل، تتناولها لمدة أسبوعين، ثم اجعلها كبسولتين في اليوم، وهذه سوف تكون جرعة علاجية كافية، لكن يجب أن تستمر عليها لمدة ستة أشهر على الأقل، بعد ذلك خفضها إلى كبسولة واحدة في اليوم لمدة ستة أشهر أخرى، وهذه ليست مدة طويلة، حيث إن الجرعة العلاجية يجب أن يتناول الجرعة العلاجية ثم ينتقل إلى الجرعة الوقائية، والتي من المفترض أن تكون لمدة كافية جدًّا.

بعد انقضاء الستة أشهر هذه الأخيرة وأنت على كبسولة واحدة اجعل الجرعة كبسولة يومًا بعد يومٍ لمدة شهرين، ثم توقف عن تناول الدواء.

هذا هو الذي أنصحك به، ويجب أن تأخذ كل ما ذكرناه لك بصورة متكاملة وكرزمة واحدة، ما هو سلوكي وما هو اجتماعي وما هو إسلامي وما هو دوائي، كلها يجب أن تكون في بوتقة واحدة حتى تتحصَّل -إن شاء الله تعالى- على التحسُّن والشفاء التام.

بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، وبالله التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً