الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

يصيبني الهلع عندما أكون بين الناس!

السؤال

السلام عليكم

أعاني من الرهاب الاجتماعي، فقد تعرضت لموقف في المدرسة قبل 5 سنين، وبسببه انعزلت عن المجتمع، وأصابني الحزن والهم والكبت! لو قابلت أحد أقربائي وسلم علي لأصبت بالهلع والخوف، ولا أقدر على الرد.

مررت بمرحلة عصيبة، حتى الصلاة لا أذهب للمسجد لأصليها خوفاً من الناس، وبعد الموقف ب 3 سنين أجبرني والدي على الذهاب معه في طلعة مع أعمامي وأقاربي وكانت بداية العلاج، فقل خوفي من الناس وقل توتري، واستطعت الذهاب للمسجد والصلاة.

طول السنتين الماضيتين وأنا يصيبني الخوف والهلع من الناس تارة وتارة لا أبالي بهم، وتارة أصاب بالهلع وتارة لا أبالي! ولكن قد بدأت أتحسن في الشهور الماضية من الوقت الحالي.

بعد ذلك تعرضت لموقف وتخاصمت مع أحد الحراس فشتمني، ولم أستطع الرد عليه وعادت حالتي كما هي بل وأسوأ من ذي قبل.

الآن لو كنت بين الناس لأصابني الهلع، وربما أفقد الوعي من شدة الخوف، وإذا أردت الذهاب لمكان أرسم ما علي فعله قبل أن أذهب لأتجنب أي موقف محرج، وبين فترة وفترة أتحدث مع نفسي، وأحياناً أصرخ إذا تذكرت حالة محرجة، حيث أني لا أنسى المواقف المحرجة أبداً.

أنا كثير النسيان إلا للمواقف المحرجة التي أتعبتني، وثقتي بنفسي مهزوزة، أعاني من النحافة، وأنا بعمر 22 سنة، ووزني 41.

أصدقائي قلة لا يتجاوز عددهم 2، ولا أخرج كثيراً، ولا أحاول الذهاب لدكتور نفسي، ولا أفكر في العلاج بالأدوية، بل أكتفي بالدعاء والصلاة، وفي المثل: (السماء لا تمطر ذهباً) أحتاج لنصائحكم أو لتدريبات تساعدني على زيادة ثقتي بنفسي، والتغلب على الرهبة من الناس والمواقف المحرجة.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

الرهاب الاجتماعي يُعالج من خلال أن يبني الإنسان ثقته في نفسه، وأن يكون تفكيرك يقوم على أساس أنك لست بأقل من أحد، وحادثة أن الحارس قد شتمك ولم تستطع الردَّ عليه، يجب ألا تؤوِّل هذا الموضوع تأويلاً سلبيًا، يجب ألا تعتقد أنك جبان أو ضعيف، لماذا لا يكون تصرفك نوعاً من حسن الخلق، من الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا؟ لماذا – أيها الفاضل الكريم – لا تؤوّل الأمور على هذا النسق؟

أنت محتاج لأن تكون تصورات وأفكاراً إيجابية عن نفسك.

الخوف الاجتماعي يُعالج من خلال بناء المهارات الاجتماعية، وأفضل مهارة اجتماعية – وهي أول مهارة اجتماعية – هي السلام، أن تعرف كيف تُحيِّ الناس، وخير التحيَّةِ هي تحيَّةُ الإسلام، وأن تكون بادئًا أنت بالسلام، وأن تعرف أن تبسُّمك في وجه أخيك صدقة.

هذا أمرٌ ضروري، وخير التواصل بين الناس: (لن تدخلوا الجنة حتى تحابوا، أفلا أدلكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)، {تحيتهم فيها سلام} {والملائكة يدخلون عليهم من كل بابٍ* سلامٌ عليكم}.

المهارة الثانية – أيها الفاضل الكريم – تكتسبها من خلال الذهاب لصلاة الجماعة، لا بد أن تتعرَّف على بعض المصلين من خلال مداومتك على الصلاة، لا بد أن يحدث لك تواصل مع إمامك، أليستْ هذه مهارات؟ هذه مهارات عظيمة.

مهارة أخرى تكتسبها من خلال ممارسة الرياضة مع أصدقائك، ككرة القدم، هنا يحصل تفاعل اجتماعي عظيم (الْعَبْ – ارم الكرة – هاتَ، خذ، أعطني الكرة) هذه كلها مهارات.

أن تذهب إلى المناسبات (الأفراح – الأعراس – الأتراح: أن تسير في الجنائز - أن تزور المرضى) هذه كلها مهارات.

نحن مجتمعنا - الحمد لله تعالى – مجتمع ممتاز، مجتمع فيه الكثير من الأنشطة التي تُفيدنا وتجلب لنا خيري الدنيا والآخرة. صلة الرحم عظيمة جدًّا، وهي مُتاحة، فلماذا لا نشرع فيها من أجل أن نطوِّر مهاراتنا؟

أيها الفاضل الكريم: ضع أهدافًا مستقبلية، ضع آمالاً، ضع خُططًا لتوصلك إلى ما تريده.

بالنسبة للعلاج الدوائي: أنا أرى أنه سوف يفيدك، لكن نسبةً لنحافتك الشديدة أريدك أن تذهب إلى الطبيب، وأنت لم تذهب إلى طبيبٍ قبل ذلك، دعه يقوم بإجراء فحوصات مختبرية عامة بالنسبة لك، ومن ثمَّ يصف لك أحد الأدوية المضادة لقلق المخاوف.

العلاج بالصلاة أمرٌ طيب، والعلاج بالدعاء أمرٌ طيب كذلك، لكن ما جعل الله من داءٍ إلا جعل له دواء، فتداووا عباد الله. الدعاء بالعلاج الدوائي أيضًا مهم في حالتك، والرسول -صلى الله عليه وسلم- أرشدنا لذلك، حين أتاه أحد الصحابة سائلاً: أَرَأَيْتَ أَدْوِيَةً نَتَدَاوَى بِهَا وَرُقًى نَسْتَرْقِي بِهَا وَتُقًى نَتَّقِيهَا هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا قَالَ: (هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ) رواه ابن ماجه. وفي رواية: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ كَانَتْ عِنْدَنَا رُقْيَةٌ نَرْقِي بِهَا مِنَ الْعَقْرَبِ وَإِنَّكَ نَهَيْتَ عَنِ الرُّقَى قَالَ فَعَرَضُوهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: (مَا أَرَى بَأْسًا، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ).

فالرقية من قدر الله، والدواء من قدر الله، والصلاة من قدر الله، والدعاء من قدر الله، فيجب أن تأخذ الأمور بشيءٍ من الانفتاح الفكري والقبول النفسي حتى تعود عليك الأمور بصورة أفضل.

أيها الفاضل الكريم: حالتك بسيطة، أرجو ألا تحرم نفسك من العلاج، طبِّق ما ذكرته لك، وأرجو أن تتواصل مع الطبيب النفسي، وأنت لا تحتاج لمتابعات طويلة أو مستمرة.

باركَ الله فيك، وجزاك الله خيرًا، وبالله التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً