الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تدهورت صحتي النفسية وأشعر بالوحدة لعدم إكمالي لدراستي

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أنا من أشد المعجبين بموقعكم لما تقدمونه من استشارات رائعة استفدت منها كثيرا.

بعد أن انتهيت من دراستي الجامعية (بكالوريوس) قررت أن أتقدم لدراسة الماجستير فقبلت -بفضل الله-، وبعد فترة بسيطة لم أتمكن من إكمالها؛ بسبب تدهور صحتي النفسية والقلق الشديد والغربة، كل ذلك أثر علي سلبيا فقطعت دراستي وعدت لأهلي.

الآن أنا أعاني من ضغط نفسي وانكسار في نفسي بعد أن تركت دراستي، نعم صحتي الجسدية تحسنت، لكن أحزن كثيراً عندما أسمع والدَي يتهامسان بشأن مستقبلي ويقولان: لماذا لم تتوظف حتى الآن؟ ولماذا لم يتقدم أحد لخطبتها؟ عندها أشعر بأني فاشلة، وأبكي كثيراً وأنا أعلم أن كل إنسان سيأخذ نصيبه من الدنيا، وأن رزقي مكتوب لي.

أشعر بأني عبء على أبي وأمي بالرغم من أنني ابنتهما الوحيدة إلا أنهما لا يريدانني، كرهت نفسي وفقدت الأمل في الحياة، حاولت إكمال دراستي ولم أوفق، وليس بيدي أمر الزواج، ولم ولن أتعب في البحث عن وظيفة، ولكن والدي لا يعلمان أن الحصول على وظيفة أمر صعب في هذه الأيام، وأن سوق العمل أصبح صعبا للغاية.

غريب هو حالهما، فنحن من عائلة غنية وأنا ابنتهما الوحيدة، لم أتجاوز الثالثة والعشرين من عمري وأخطط للانتحار، أتعبتني وحدتي بسبب تنقل عمل أبي من دولة إلى أخرى، ليس لدي صديقات، فما إن أدخل مدرسة وأكون صداقات حتى أختفي بعدها لأنتقل لدولة أخرى، ونحن الآن في مدينة أخرى بعيدة عن أقاربنا، فلا صديقات ولا أخوات ولا قريبات، وحدتي تؤلمني، والآن أمي وأبي يكملان ألمي، نسيت الفرح تماماً، فما رأيكم في أمري؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ جوري حفظها الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

شكرا لك على التواصل معنا، وعلى إعجابك بخدمات هذا الموقع، لقد آلمني سؤالك ليس لأنك مريضة، وإنما لأن الظروف لم تساعدك كثيرا على تجاوز الصعوبات والتحديات، بالرغم من أن عندك ما يكفيك للانطلاق والتقدم والإنجاز، ومن قال أن همس والديك عن مستقبلك وعملك يعني أنهما لا يريدانك؟ وأنت ابنتهما الوحيدة -أدامك الله لهما-، فمن وجهة نظرهما هذا مؤلم لا شك -وأنا الأب المجرب-، أن يريا ابنتهما الوحيدة والخريجة الجامعية غير سعيدة في وضعها العام، سواء بالعمل والوظيفة، أو حتى من دون العمل والوظيفة، لا شك أن سفركم المتكرر بسبب انتقال عمل والدك قد أثر عليك كثيرا، وأن هذا السفر أيضا أتاح لك فرص كثيرة للتعلم، واكتساب مهارات ومعلومات كثيرة عن البلاد والشعوب والناس.

لو تقدمت للعمل عندي فتاتان، وكلاهما خريجات جامعيات، لأخذت التي هي كثيرة الأسفار والتنقل، والتي خبرت الدنيا والحياة، ولا شك أن هذه ستكون أكثر انفتاحا عقليا، وأقدر على حسم التواصل والحوار، السؤال الآن: كيف يمكنك الخروج من هذه الحالة السلبية التي أنت فيها؟ وإذا استبعدنا أنك مصابة بحالة من الاكتئاب النفسي، فليس هناك من سبب يمنعك من تجديد حياتك، بحيث تعيدي لها البهجة والإقدام على الحياة، وعبارة جميلة تحفزني وتعطيني الكثير من الإيجابية تقول: (كن جميلا ترى الدنيا جميلة)، فقيمة الحياة وحيويتها تنبعان من الداخل وليس الخارج، وإن كان الخارج يساعد أحيانا كثيرة، إلا أن النبع من الداخل وليس من الخارج.

لقد وصلت لإنهاء البكالوريوس، وكنت أحب أن أعرف نوعية الدراسة وقسم الجامعة، ليكون جوابي أكثر تحديدا، حاولي أن تقومي بالخطوات التالية:

- خذي قلما وورقة واكتبي الخيارات كلها التي يمكنك القيام بها، سواء كانت سهلة أو صعبة التحقيق.
- فكري في كل هذه الخيارات، واكتبي 2 أو 3 مما هو متوفر لك من الناحية الإمكانية والعملية.
- ومن هذه الخيارات، اختاري واحدا منهما، وأكثرها قربا لك، ومما تحبين أن تسيري فيه.
- ومن ثم توكلي على الله وابدئي في الإجراءات العملية للسير مع هذا الاختيار، وبعد فترة ليست بالبعيدة، ستلاحظين تغييّرا كبيرا في نفسيتك، مما يجعلك تشعرين بالحماس للحياة، بحيث تتطلعين لتحقيق الحلم والهدف الذي تحددينه لنفسك، فإن الله تعالى إنما خلقنا لا ليعذبنا، وإنما لنقوم بعمارة هذه الأرض التي سخّر لنا فيها كل شيء، قال تعالى: "طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى"، وقال تعالى: "الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا"، حقا قال تعالى: "أحسن" ولم يقل: "أكثر" كما يتصور بعض الناس.

ومن خلال الاختيار الذي اخترته سواء كان متابعة الدراسة، أو العمل الحر في تأسيس مشروع صغير أو التوظف، ستلاحظين أن هذا سيجعلك أكثر تفاؤلا وأقل تشاؤما، وسيفتح لك باب التعرف على الناس أيضا، ومن ثم ستكتسبين الكثير من مهارات الحياة، ومن بعدها يأتي الخطّاب واحدا تلو الآخر، وينفتح موضوع الزواج، وهكذا هي الحياة.

هل لديك أحد تتحدثين معه من صديقة أو قريبة؟ وإذا لم يوجد هل يمكن لأمك أن تقوم بهذا الدور، لأن الإنسان يحتاج أحيانا لمن يتحدث معه ويبوح له عما في مكنونات صدره.

وفقك الله وكتب لك التوفيق والسداد، وبانتظار أخبارك الطيبة.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات