الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

النظرة إلى الحياة بتشاؤم وباختلاف الموازين

السؤال

بسم الله الرحمن الرحيم

لا أعرف كيف أشكركم على موقعكم هذا، جزاكم الله كل خير، ووفقكم لما يحب ويرضاه، ولا أعرف كيف أبدأ الكلام، فلست بالإنسانة المتشائمة، ولكن لا أرى للحياة حلاً.

أكتب من زمان بعيد عن حياتي وحالي الذي يأخذني شمالاً ويميناً، لا أعرف إلى أين أذهب أو متى سأصل، ودائماً على حرب مع هذه الحياة، لا أعلم لماذا دائماً أركض وأركض، لأجد نفسي في نفس المكان، وكأني لم أتحرك طوال الخمسة عشر سنة، ولا أدري كيف السنين جرت بي وحطمت كل ما هو جميل لدي، حتى نشاطي وحيويتي قضت عليها!

أيعقل وأنا في الثلاثين من عمري سيضحك لي الدهر ويجعلني أتنفس الصعداء، أم هذه هي حياتي وما علي إلا الاستسلام لقدري!؟

يا ترى في أي زمن يتوقف دور الإنسان في الحياة؟! وهل يا ترى دوري توقف؟! هل حياتي هي أن أدون تعاستي وفشلي وقلة حيلتي، أم هي الحياة أوهام ومن الصعب أن تصل لأبسط الأشياء دون أن تمارس الحرام والاحتيال على الناس، والكذب والغش، وتتدنى في أخلاقك؟ أم هي لقمة العيش والسقف الذي يستر عوراتنا يتطلب منا جهداً كبيراً فقط لكي نستطيع أن نؤمنهم لأنفسنا ولأولادنا، وأما أحلامنا فتتبخر مع السنين الضائعة لنؤمن هاتين الحاجتين الأساسيتين في حياتنا؟! لا أدري!

لقد تعبت وأهدرت كل طاقتي في الصبر فقط لتأمين لقمة العيش، والله أصبحت لا أعرف ما هو الصح وما هو الغلط الحلال أم الحرام والعياذ بالله؟!
يا رب أبعد عنا الحرام، واجعلني من عبادك الصابرين الصالحين، اللهم آمين.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أمل حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

إن دورك في الحياة لا يتوقف ما دام فيك نفس يصعد ويهبط، فانظري للحياة بأمل جديد وبثقة في الله المجيد، وغيري النظارة التي ترتدينها، وابحثي عن الإيجابيات وضخميها، واحمدي من أوصلك إلى القدرة على التعبير، وحباك من نعمه الكثير والكثير، وتذكري أن السعادة نبع النفوس المؤمنة بالله المواظبة على ذكره وشكره، الراضية بقضائه وقدره.

كم هو سعيد من يعرف نعم الله عليه، ثم يجتهد في شكرها، فينال بشكره المزيد، ويفوز بكثرة ذكره بالطمأنينة والخير الوفير، وقد جاء في كتاب ربنا القدير: ((الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ))[الرعد:28].

اعلمي أن الكذب والاحتيال والسرقة وغيرها من الممارسات التي يظهر أنها تزيد في رزق فاعلها إنما تزيد في ذنوبه، ولن ينال الإنسان إلا ما كتبه الله له، ولا تنظري لمن هلك، كيف هلك ولكن تفكري في شأن من نجا كيف سعد ونجا.

أما بالنسبة للأرزاق، فقد تكفل بها الرزاق، وما على الإنسان إلا أن يبذل الأسباب، ثم يتوكل على الكريم الوهاب، وما كل من يجمع يأكل، والمهم هو أن يؤدي الإنسان ما عليه، ويرضى بما يقدره له ربه، وإذا لم يقنع الإنسان فلن يشبع ولن يرضى، ومن هنا قيل: (واقنع بما قسم الله لك تكن أسعد الناس) وقد أحسن من قال:

هي القناعة لا تبغي بها بدلاً *** فيها العفاف وفيها راحة البدن
انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها *** هل راح منها بغير الحنط والكفن.

نحن -يا ابنتي- بحاجة إلى أن نذكر أنفسنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (انظروا إلى من هو دونكم -أسفل منكم- ولا تنظروا إلى من هو فوقكم كي لا تزدروا نعمة الله عليكم).

إذا نظر الإنسان في أحوال من حوله، وأراد أن يطبق التوجيه النبوي، سيجد الملايين من المعدمين، وحتى من كان معدماً وأراد أن يطبق الحديث فسوف يجد الملايين من المعدمين، وسوف ينسى نفسه عندما يجد من أصيب منهم بالأمراض والمصائب، وعندها سوف يلهج لسانه بالثناء والشكر لله قائلاً: (الحمد الذي عافاني مما ابتلاهم به وفضلني على كثير من خلق تفضيلاً)، وما كل من يسعى ويعمل يجد ما يسد الرمق، ولا كل من وجد اللقمة سعيد بها، وقد صدق من قال:

كل من لاقيت يشكو دهره *** ليت شعري هذه الدنيا لمن؟

العاقل يحمد الله على القليل فينال بشكره الكثير، وكلنا في الحقيقة صاحب نعمة، ولكن نعم الله مقسمة، فهذا وهبه الله الولد وحرمه المال، وآخر أعطي الوظيفة وحرم الولد، وثالث فاز بالمال والولد وحرم العافية، إلى غير ذلك.

قد أسعدني طلبك للحلال وتوجهك للكريم المتعال، وهذه وصيتي لك بتقوى الله ثم بكثرة اللجوء إليه، وننصحك بعدم الوقوف على باب واحد في أبواب الرزق، وعليك بالصدقة فإنها سبب للزيادة في الرزق، وأكثري من الاستغفار ومن الصلاة والسلام على رسولنا المختار، وأن يبارك لنا ولك في الرزق، وأن يغنينا بحلاله عن حرامه وبفضله عمن سواه، ومرحباً بك في موقعك.
وبالله التوفيق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً