الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيفية معالجة الوسواس القهري بالخطوات السلوكية والعقارات الدوائية

السؤال

أنا فتاة عمري 25 عاماً، ولدي مشكلة بالصلاة، وخاصة عند تكبيرة الإحرام، حيث أشك دائماً أنني لم أقلها بشكل صحيح، أو أن رفع يدي بشكل خاطئ، في البداية كنت أحلف وأقسم بالله، بعد ذلك تخلصت من عادة أن أحلف وأقسم قبل بداية الصلاة، هذا بالإضافة للأفكار والكلام والصور السيئة التي تدور في رأسي في الصلاة وغير الصلاة، وتأتي في أناس أعرفهم وأناس لا أعرفهم، ولا أحب أن أسمع صوتاً أثناء الصلاة، وبمجرد سماع الصوت أو أن يدخل أحد أهلي علي الغرفة وأنا أصلي أقطع الصلاة وأعيدها مرةً أخرى، ويأتيني شك في أذكار الصباح والمساء أنني لم أقلها بشكل صحيح، وكذلك في قراءة القرآن أنني لم أقرأ بشكل صحيح، وأنه توجد أخطاء، وأرجع أعيد وأكرر.

وقد بدأت أترك صديقاتي، ولا أحب مجالسة الناس، وخاصةً بعدما تخرجت من الجامعة لأسبابٍ تافهة جداً لم تكن تعني لي شيئاً أثناء الدراسة، لكن عندما تخرجت من الجامعة أصبحت لا تفارقني، ولا أستطيع مقاومتها، فمثلاً "أنهم لا يعرفون أنني متخرجة من جامعة كذا، وقسم كذا، وعائلتي هي ...إلخ من التفاهات".

ويأتيني شك في كل كلمة أقولها وكل فعل أفعله، وفي كل كلمة أكتبها، فمثلاً عندما أتكلم مع أي شخص أعيد مع نفسي كل كلمة؛ على أساس أني قلت كلاماً من المفروض أن لا يقال، مع أنه كلامٌ عادي جداً، لكن لماذا يحدث معي هذا؟! وعندما أكتب اسمي على ورق أشك أني كتبته غلط مع أنه صح، وتأتيني حالات توتر واكتئاب بسبب هذا الذي يحدث معي.

أرجو المساعدة لأنني تعبت من هذه الوساوس والشكوك، وهل يوجد دواء لمثل حالتي؟ وإذا كان يوجد هل هو مضر وإدماني أم لا؟ وهل يُشترط وصفة طبية؟!

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أماني حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فإن الذي تعانين منه هو وساوس قهرية، والوساوس التي لديك فيها جزء يأتي في شكل أفكار وجزء آخر يأتيك في شكل صورة ذهنية أو عقلية، وهذا النوع من الوساوس يُعرف عنه أنه يستحوذ على تفكير الإنسان بشيءٍ من الإلحاح، وهذا يزيد من تردد الإنسان بصورة واضحة، وما تحسين به من توتر واكتئاب هي إفرازات ثانوية ناتجة من الوساوس القهرية؛ لأن الوساوس تُعتبر أحد الحالات الوجدانية التي تتميز بوجود قلق وينتج عنها عسر ثانوي في المزاج -أي في صورة اكتئاب نفسي بسيط-.

وأما عن العلاج الدوائي فإنه توجد أدوية ممتازة وفعالة وغير إدمانية، والأدوية بالطبع هنالك ضوابط معينة حيال تناولها، وإذا التزم الإنسان بها فإن شاء الله تكون النتائج ممتازة ورائعة جدّاً، وأهم شروط العلاج الناجح هو الالتزام بتناول الجرعة في وقتها، وكذلك الاستمرار على الدواء حتى تنقضي المدة المقررة.

وقبل أن نوضح لك العلاج الدوائي هناك أمور مهمة يجب اتباعها، وهي مقاومة هذه الوساوس، وعدم اتباعها، واستبدالها بأفعال وأفكار مخالفة هذا ربما لا يكون بالسهل ولكنه أيضاً ليس بالصعب وليس بالمستحيل.

يمكنك أن تقومي أولاً بتحليل وفرز هذه الوساوس وذلك بكتابتها في ورقة، وابدئي بعد ذلك في التعامل مع أقلها حدة، فالوسواس الذي ترينه أنه أقل في حدته وفي استحواذه وسيطرته على أفكارك ابدئي به، وذلك بمقاومته وتحقيره وتجاهله واستبداله بفعل أو فكر مضاد، وبعد ذلك انتقلي للفكرة الوسواسية التالية.

الوساوس التي تتمركز حول الدين هي من أكبر الوساوس شيوعاً، والحمد لله تعالى العلماء رأيهم واضح في هذا الأمر، وهو أن صاحب الوساوس لا حرج عليه، وعليه أن يُوقف هذا الشك بأن يجعل اليقين هو الذي يسيطر عليه، وأن لا يكثر من التردد أو سجود السهو أو شيء من هذا القبيل، فأرجو أن تتبعي هذه المناهج السلوكية العامة، ولا شك أنها سوف تفيدك.

أرجع مرة أخرى للعلاج الدوائي، والحكمة في تناول الأدوية هو أنه اتضح أن الوساوس القهرية أفعالاً أو أفكاراً كانت أو صوراً ذهنية أو طقوساً أو مخاوف أو ترددات تلعب كيمياء الدماغ سبباً رئيسياً في حدوثها، ويعتقد أن هناك مادة تعرف باسم (سيروتونين) تحدث شيئاً من عدم الانتظام في إفرازها بواسطة الموصلات العصبية، وهذا يؤدي إلى حدوث هذه الوساوس أو على الأقل استمرارها.

العلاج الدوائي يتميز بأنه يزيل القلق، ويسهل على الإنسان كثيراً تطبيق التمارين السلوكية، ولكن يُعرف أن الوساوس أيضاً ربما ترجع حين يتوقف الإنسان عن تناول الدواء، خاصةً إذا لم يكمل فترة العلاج أو لم يدعم العلاج الدوائي بالعلاج السلوكي.

الأدوية الفاعلة كثيرة، ومن أفضلها: عقار يعرف تجارياً باسم (بروزاك Prozac) ويُسمى علمياً باسم (فلوكستين Fluoxetine) وهو متوفر في المملكة العربية السعودية وفي معظم الدول، ولا يتطلب وصفة طبية، كما أنه سليم، وغير إدماني، ولا يؤثر مطلقاً على الهرمونات النسائية، كما أنه لا يؤدي إلى زيادة في الوزن.

الجرعة التي تبدئين بها هي كبسولة واحدة، وقوة الكبسولة هي عشرون مليجراماً، يفضل تناولها بعد الأكل، ويمكن تعاطيها صباحاً أو مساءً، بعد مضي شهر ترفع هذه الجرعة إلى كبسولتين في اليوم، وهذه أقل جرعة مفيدة في الوساوس، والجرعة القصوى قد تصل إلى أربع كبسولات في اليوم، ولكن أعتقد أن كبسولتين في اليوم سوف تكون جرعة كافية لك.

استمري على هذه الجرعة العلاجية لمدة ستة أشهر، بعد ذلك خفضي الجرعة إلى كبسولة واحدة في اليوم، وهذه هي الجرعة الوقائية، وأرجو أن تستمري عليها أيضاً لمدة ستة أشهر، بعد ذلك خفضي الجرعة إلى كبسولة يوماً بعد يوم لمدة شهر، ثم يمكنك أن تتوقفي عن تناول الدواء إذن: العلاج الدوائي بسيط وسليم وفاعل إن شاء الله تعالى.

توجد أدوية كثيرة من أشهرها دواء يعرف باسم (فافرين)، وآخر يعرف باسم (سبرالكس) وثالث يعرف باسم (زولفت)، ولكن أعتقد أن البروزاك سيكون هو الأفضل في حالتك، نسأل الله لك الشفاء والعافية.

وبالله التوفيق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً